مدونة فراس السّواح

ألغاز الإنجيل

هل وُجد يسوع فعلاً؟

عبر التاريخ الطويل للبحث في العهد الجديد ظهر تيّار ما زال له مؤيدون في الوقت الراهن، يقول إن يسوع المسيح ليس شخصية تاريخية، وما أحداث الإنجيل إلا أسطورة تكونت ببطء ونسجتها مخيلة اللاهوتيين على مدى قرن من الزمان إلى أن اكتملت بالطريقة التي وصلتنا بها. إننا لا نعرف شيئاً عن أسرة يسوع ولا عن حياته قبل ظهوره الفجائي وهو في نحو الثلاثين من العمر، كما أن سيرة حياته التبشيرية كما دونها الإنجيليون مليئة بالتناقضات التي لا يمكن التوفيق بينها على أي صعيد. ويبدو أن هؤلاء الإنجيليين الذين كانوا يكتبون باللغة اليونانية، لم يكونوا على معرفة مباشرة بجغرافية فلسطين وبيئتها الطبيعية، وأن أحداً منهم لم يرَ يسوع شخصياً ولم يسمعْ منه، بل ولم يرَ من اجتمع بيسوع مباشرة وسمع منه. إننا نعرف مثلاً لون بشرة النبيّ محمّد ولون عينيه وطول قامته ومزاجه وطبائعه وأدقّ تفاصيل

قراءة المقال

ألغاز الإنجيل / مرقيون والكنيسة البديلة

لقد خاطب يسوع الناس على قدر أفهامهم بمن فيهم تلاميذه، على ما بيّنا في الحلقة الماضية من هذه الدراسة، وما سقنا من شواهد إنجيلية. وهذا يستدعي بالضرورة أنه قد بثّ في تلاميذه نوعين من التعاليم، الأول ظاهريّ والثاني باطنيّ. وهذا هو مؤدّى قوله في إنجيل لوقا: ” ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب، ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. ” (لوقا 10: 22). أي إنّ يسوع لم يعلن الحقائق الخافية بخصوص الآب إلا للقلّة التي يختارها من تلاميذه. وقد أكّد بعض آباء الكنيسة هذه الحقيقة، ومنهم كليمنت الاسكندري الذي نشط في أواخر القرن الثاني الميلادي، والذي كشف في إحدى رسائله عن وجود إنجيل روحاني لمرقس لدى كنيسة الاسكندرية يحتوي على تعاليم ليسوع لا يعرفها إلا الخاصة، ولا يجوز كشفها لغير الساعين إلى كمالهم في الدين (راجع ما أوردناه عن هذا الموضوع في دراستنا السابقة عن إنجيل مرقس السري). على أنّ بعض جوانب تعاليم يسوع

قراءة المقال

من هو إله يسوع؟

لقد خاطب يسوع الناس على قدر أفهامهم بمن فيهم تلاميذه، على ما بيّنا في الحلقة الماضية من هذه الدراسة، وما سقنا من شواهد إنجيلية. وهذا يستدعي بالضرورة أنه قد بثّ في تلاميذه نوعين من التعاليم، الأول ظاهريّ والثاني باطنيّ. وهذا هو مؤدّى قوله في إنجيل لوقا: ” ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب، ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. ” (لوقا 10: 22). أي إنّ يسوع لم يعلن الحقائق الخافية بخصوص الآب إلا للقلّة التي يختارها من تلاميذه. وقد أكّد بعض آباء الكنيسة هذه الحقيقة، ومنهم كليمنت الاسكندري الذي نشط في أواخر القرن الثاني الميلادي، والذي كشف في إحدى رسائله عن وجود إنجيل روحاني لمرقس لدى كنيسة الاسكندرية يحتوي على تعاليم ليسوع لا يعرفها إلا الخاصة، ولا يجوز كشفها لغير الساعين إلى كمالهم في الدين (راجع ما أوردناه

قراءة المقال

من هو إله يسوع؟ / تجربة الشيطان

بعد أن غطس يسوع في ماء الأردن وخرج منه، ترك يوحنا المعمدان وجمهرة المتعمدين وجعل يصلي في خلوة مسغرقاً في تأمل باطني عميق: “وإذ كان يصلي انفتحت السماء، ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة، وكان صوت من السماء قائلاً: أنت ابني الحبيب بك سررت.” (لوقا 3: 21-22). هذا المشهد الذي يوصف في الأناجيل الثلاثة الإزائية على أنه حدث موضوعي، لم يكن في حقيقة الأمر إلا تعبيراً موضوعياً عن خبرة صوفية وجْدية قادت يسوع إلى الكشف والاستنارة، عقب فترة طويلة من البحث العقلي والكدح الروحي. لقد عرف إلهه الذي كشف عن نفسه في هيئة حمامة، وهذا الإله لم يكن إله التوراة الذي رفضه يسوع في عقله الباطن منذ حداثته وراح يبحث عن الإله الحق. فمن هو إله يسوع؟
من المهم جداً أن نلاحظ أن يسوع لم يستخدم في أقواله الاسم التوراتي يهوه أو بديله

قراءة المقال

لغز معمودية يسوع (2/2)

إذا نحّينا قصة الميلاد التي وردت في إنجيلي متّى ولوقا (ولم ترد في إنجيلي مرقس ويوحنّا)، باعتبارها مقدّمة مقحمة على سيرة يسوع اقتضتها طبيعة التغييرات اللاهوتية التي حصلت خلال فترة قرابة نصف قرن بين حادثة الصلب وظهور الأناجيل، فإنّ سيرة يسوع تبدأ من اعتماده في نهر الأردن على يد يوحنّا المعمدان، وهو العمل العلنيّ الأوّل ليسوع الذي يظهر فجأة وكأنّه آتٍ من لازمان ولامكان. فعندما رأى يسوع أنّ الكلّ يقصد يوحنّا جاء من الجليل هو أيضاً للاعتماد على يديه. وهنا يروي لنا الإنجيليون أربع قصص تختلف في التفاصيل أحياناً وتتعارض جذرياً أحياناً أخرى.
ونبدأ كالعادة بإنجيل مرقس، وهو الأقدم والأقرب إلى الواقعة التاريخية :
“وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في

قراءة المقال

لغز معمودية يسوع (2/1) / يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية

المعمودية، وهي طقس ديني يتضمن غمر الجسد بشكل كامل في الماء، ممارسة موغلة في القدم. ففي الثقافة السومرية (الألف الثالث قبل الميلاد) كان إله الماء يدعى إيا، أي إله بيت الماء، وكان معبده العلوي الذي يقيم فيه بين الناس نظيراً لمسكنه السفلي في الأعماق المائية العذبة، ويدعى بيت الطهارة حيث كانت تجري طقوس الاغتسال بالماء. (1) أما الرمزية الكامنة وراء هذا الطقس فمؤداها أن غسل الجسد بالماء هو مظهر خارجي لتطهير الروح، والمغتسل بالماء الذي يذهب بأدران الظاهر إنما يُعبر في الوقت ذاته عن غسله لأدران الباطن. كما أن الغطس الكامل في ماء نهر مقدس أو في جرن العماد الموضوع في المعبد ثم الصعود ثانية، يُعبر عن الموت والانبعاث، موت الفرد عن نفسه الأرضية والانبعاث في نفس روحانية .
وتتخذ المعمودية مركز البؤرة في طقوس ديانات الأسرار التي شاعت في العصر الهيلنستي والعصر الروماني، والتي تقوم عقائدها على الإيمان بإله مخلّص يقود العابد الذي اتحد به إلى الخلاص من ربقة

قراءة المقال

هل كان يسوع متزوجاً؟

إن مسألة ما إذا كان يسوع متزوجاً، ليست من الموضوعات التي تستحق أن يشغل أي باحث جاد نفسه بدراستها، لأنها تنتمي إلى مجال الأدب الشعبوي لا إلى مجال البحث الأكاديمي الرصين الذي يعتمد مناهج البحث العلمي. والمسألة برمتها لا تمتلك الحد الأدنى من العناصر التي يمكن إخضاعها للتقصي التاريخي ولا للأساليب التي يتبعها الباحثون المتخصصون في كتاب العهد الجديد.
على أن ما حفزني على طرح هذه المسألة هو صدور ترجمة رديئة عن دار نشر سورية عام 2006 ، لكتاب صدرت طبعته الأولى في بريطانيا عام 1981 تحت عنوان : The Holy Blood and the Holy Grail، أي الدم المقدس والكأس المقدسة. (1) وقد أعيد طبع الكتاب مراراً ولقي رواجاً كبيراً في أوساط عامة القراء الغربيين الذين لم يقرأوا كتابهم المقدس، وبالتالي لم يكن لديهم معايير للتفريق بين البحث الجاد في الأناجيل والبحث

قراءة المقال

ميلاد يسوع في الفكر اليهودي والتجديف على مريم

عندما أخذت الحركة المسيحية الناشئة تنتشر بين صفوف اليهود، سواء داخل فلسطين أم في المغتربات اليهودية بآسيا الصغرى ومصر واليونان وإيطاليا، لم يعمد الفكر اليهوديّ إلى مواجهتها بالجدل اللاهوتيّ والفلسفيّ، وإنّما بإطلاق الشائعات التي تتّهم السيّدة مريم بالزّنى وتصف ابنها بأنّه ساحر مشعوذ. فمنذ القرن الثاني الميلادي عرض لنا الكائن سيلسوس الخصم اللدود للمسيحية في كتابه ” الكلمة الصادقة ” وجهة النظر اليهودية عن يسوع وأمّه مريم، والتي تلخّصها هذه الفقرة من الكتاب، أوردها الكاتب المسيحيّ أوريجين في مؤلّفه ضدّ سيلسوس :
” كان يسوع ابناً لامرأة غزَّالة فقيرة تدعى مريم، وهي زوجة لرجل يعمل في مهنة النجارة. ولكنها لم تنجب بكرها يسوع منه وإنما من جنديّ رومانيّ فارّ من الخدمة يدعى بانتر.

قراءة المقال

ألغاز ميلاد يسوع3 / مشكلة بيت لحم والناصرة

إنّ الصورة العامة التي تقدمها لنا جغرافية فلسطين هي صورة منطقة تتألّف من بيئات معزولة عن بعضها البعض. وقد انعكست هذه الجغرافية المتنوّعة على الحياة السياسية، فقد كانت فلسطين مقسّمة على الدوام إلى عدد من الدويلات الصغيرة المستقّلة. وتتجلى عزلة البيئات الفلسطينية بشكل خاصّ في مناطق الهضاب، ونموذجها مرتفعات الجليل التي يفصلها وادي يزرعيل العريض والخصب عن الهضاب المركزية (أي منطقة السامرة) ومرتفعات يهوذا. وتشير الشواهد الأركيولوجية والتاريخية إلى أنّ صلات الجليل الثقافية والسياسية مع فينيقيا والعالم السوري الأوسع كانت أقوى من صلاته مع المنطقة الفلسطينية. فإلى جانب اللقى الأثرية والبنى المعمارية التي تشهد على مثل هذه الصلات،

قراءة المقال

ألغاز ميلاد يسوع المسيح

بعد مضيّ ألفين من السنين على ميلاد يسوع، ما زلنا لا نملك أيّ وثيقة تاريخية عن حياة هذه الشخصية الاستثنائية في التاريخ الروحيّ للإنسانية. وما زالت الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة تقف شاهداً وحيداً على ميلاده ومسيرة حياته التبشيرية وصلبه. وعلى الرغم من أنّ الكنيسة قد أقرّت في صُلب عقائدها أنّ الأناجيل الأربعة قد كتبت بإلهام إلهيّ، إلا أنّها لم تفلح في تقديم تفسير منطقيّ للتناقضات الواقعة بين هذه الأناجيل، والتي من شأنها نفي عقيدة الإلهام الإلهيّ نفسها. وفي الحقيقة، فإنّ مشكلة التناقض بين هذه الوثائق التي تقف دون سند خارجيّ، لن تجد حلاً لها سواء بالنسبة إلى المؤمن المسيحيّ أم بالنسبة إلى الباحث عن الحقيقة التاريخية، إلا إذا نحن استغنينا عن فكرة الإلهام الإلهيّ ونظرنا إلى مؤلّفي الأناجيل باعتبارهم حَمَلة رسالة دينية لا باعتبارهم مؤرّخين يعملون على تقصّي الحقائق وفق مناهجنا

قراءة المقال

يسوع الثائر وموقفه من اليهود واليهودي

تطرح شخصية يسوع في الأناجيل الأربعة نموذجاً للثوري الذي جاء ليعلن نهاية عالم قديم، وتأسيس عالم جديد يتحقق في المثالي باعتباره واقعاً واليوتوبيا باعتبارها حالة يمكن أن نحياها. قال يسوع: “روح الرب نازل عليّ، لأنه مسحني وأرسلني عودة البصر إليهلأبشِّر الفقراء، وأبلغ المأسورين إطلاق سبيلهم، والعميان (والعميان هنا هم الراسخون في ظلمات الجهل، لا عميان البصر.) م، وأفرِّج عن المظلومين.” (لوقا: 8:4). وقال: “تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والمثقلين بالأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة نفوسكم.” (متَّى: 28-29).

لقد كانت رسالة يسوع موجهة بالدرجة الأولى إلى الشرائح الاجتماعية الدنيا المتعبة

قراءة المقال

ألغاز الإنجيل / يسوع والنساء… لغز مريم المجدلية

هذه الإشارات الغامضة التي تلفت نظرنا إلى الحضور القوي للنساء في ذلك المحيط الذكوري كما قدمه لنا الإنجيليون، تطلعنا على حقيقة في غاية الأهمية وهي أن عدد النساء في بطانة يسوع المقربة ربما كان أكثر من عدد الرجال، وأن الدعم المالي لهذه المجموعة المرتحلة مع معلمها كان يأتي من بعض أولئك النسوة المقتدرات اللواتي تركن ما كُنّ فيه من رغد العيش وسرن وراء يسوع. ولعل من أهم هذه الإشارات ما ورد في إنجيل لوقا: “وعلى إثر ذلك كان يسير في المدن والقرى يكرز ويبشر بملكوت الله، ومعه الإثنا عشر، وبعض النساء اللواتي شفاهن من الأرواح الشريرة والأمراض، وهن مريم المعروفة بالمجدلية التي أخرج منها سبعة شياطين، وحنة (أو يُوَنّا في بعض الترجمات) امرأة خوزي وكيل هيرودوس، وسوسنة، وغيرهن كثيرات كن يخدمنه من أموالهن.” (لوقا8: 1-3).

نلاحظ من هذه الإشارة المقتضبة إلى تلاميذ يسوع من النساء عند لوقا، وجود عدد كبير من النساء في بطانة

قراءة المقال

ألغاز الإنجيل / خفايا إنجيل مرقس الإنجيل السرّيّ ولغز التلميذ الحبيب (2/2)

في الحلقة الأولى من هذه الدراسة تحدّثنا عن تفرّد إنجيل يوحنا عن الأناجيل الثلاثة المتشابهة: مرقس ومتّى ولوقا، سواء من حيث رسالته اللاهوتية أو من حيث روايته لأحداث مهمّة بالنسبة لتشكيل العقيدة المسيحية. ولعلّ أهمّ هذه الأحداث التي انفرد بها يوحنا القصة المعروفة عن إحيائه لفتى كان يحبّه اسمه لعازر بعد مضيّ أربعة أيام على موته. ولعازر هذا كان من أسرة غنيّة تمتلك بيتاً واسعاً في قرية بيت عنيا الواقعة على مسافة ثلاثة كيلومترات إلى الشرق من أورشليم، وكان يعيش مع أختين شابّتين له، الأولى تدعى مرثا والثانية مريم. وقد اعتاد يسوع زيارتهم بصحبة تلاميذه الإثني عشر والإقامة عندهم.
عندما كان يسوع مقيماً عند الأردن في الموضع الذي كان يوحنا المعمدان يُعمّد فيه، أرسلت مريم من يخبره بأنّ الذي يحبّه مريض. فمكث يسوع في ذلك المكان يومين، ثم قال لتلاميذه إنّ لعازر قد مات وأنّ عليهم التوجّه

قراءة المقال

ألغاز الإنجيل / خفايا إنجيل مرقس (1/2)

لم يترك يسوع أثراً مكتوباً بل تعاليم شفوية وسيرة حياة، وكانت الجماعات المسيحية الأولى تتناقل أقواله وأعماله كما وصلت إليها عن طريق تلامذته المباشرين ممن رافقوه عبر مسيرته التبشيرية القصيرة. وعندما مات معظم أفراد الجيل الذي عاصر يسوع حاملين معهم ذكرياتهم وانطباعاتهم المباشرة، بدت الحاجة ماسة إلى تدوين سيرة يسوع وتعاليمه.
وهكذا ظهرت على التتابع الأناجيل الأربعة التي عُزيت إما إلى شخصيات من العصر الرسولي مثل مرقس ولوقا، أو إلى تلاميذ مباشرين ليسوع مثل متّى ويوحنا. وجميع هذه الأناجيل دوّنت باليونانية لغة الثقافة في ذلك العصر.
هنالك إجماع اليوم بين الباحثين في كتاب “العهد الجديد” على أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل وأنه دون نحو عام 70م. يليه أنجيلا متّى

قراءة المقال