مدونة فراس السّواح

هكذا تكلم حمورابي

بقلم فراس السوّاح

كان حمورابي إدارياً من طراز رفيع، وقد حكم مملكته المترامية الأطراف من خلال أجهزة إدارية على درجة عالية من الكفاءة، ونظم الري وشق القنوات المائية، وبنى المعابد وأعاد تنظيم شؤون الكهانة.

خلال الفترة الانتقالية من الألف الثالث إلى الألف الثاني قبل الميلاد، تزايدت أعداد الجماعات السكانية الآمورية النازحة من سورية باتجاه بلاد الرافدين، حيث أسسوا لأنفسهم إمارات محلية في مناطق سومر. وفي عام 1894 ق.م أسس الأمير الآموري سومو آبوم مملكة صغيرة له جعل من بلدة بابل المتواضعة في ذلك الوقت عاصمة لها، فكان أول ملك في السلالة الآمورية التي أسست المملكة البابلية القديمة. في عام 1792 ق.م آل حكم هذه المملكة المتواضعة إلى حمورابي الذي جعلها خلال أربعين سنة من حكمه أعلى ممالك ذلك العصر شأناً، وجعل من عاصمتها بابل درة مدن الشرق. فقد عمل تدريجياً عن إلغاء استقلال ممالك المدن السومرية القوية، ثم توسع شرقاً فقضى على نفوذ مملكة عيلام الإيرانية التي كانت مصدر تهديد دائم للمالك الرافدينية، وشمالاً حيث قضى على استقلال آشور، وغرباً حيث ضم إليه مملكة ماري العريقة على الفرات الأوسط، مؤسساً بذلك لأقوى دولة مركزية عرفتها المنطقة بعد عصر صارغون الأكادي.

كان حمورابي إدارياً من طراز رفيع، وقد حكم مملكته المترامية الأطراف من خلال أجهزة إدارية على درجة عالية من الكفاءة، ونظم الري وشق القنوات المائية، وبنى المعابد وأعاد تنظيم شؤون الكهانة. ولكن اسمه في التاريخ ارتبط بإصلاح القضاء وتنظيم المحاكم وبمنظومة القوانين التي أصدرها في أواسط فترة حكمه، والتي شكلت أطول وأكمل شريعة بين الشرائع السابقة واللاحقة عليها في ثقافة الشرق القديم. وقد نقش حمورابي شريعته على عدة أنصاب حجرية وزعها في جميع أنحاء مملكته ليطلع عليها الناس. وأضخم نصب بين هذه الأنصاب عُثر عليه بين أنقاض مدينة سوسة عاصمة عيلام مكسوراً إلى ثلاث قطع، ويبدو أن العيلاميين قد أخذوه من بابل بين الأسلاب في إحدى حملاتهم عليها بعد زوال مجد المملكة البابلية القديمة. في القسم الأعلى من النصب هنالك نحت بارز يصور حمورابي وهو يتلقى الشريعة من شماش إله الشمس والعدالة، وفي القسم الأسفل نُقش نص الشريعة على مستدير النصب، وهو يتألف من ثلاثة أجزاء هي المقدمة والمتن، والخاتمة التي يشرح فيها حمورابي نظريته في الحكم والسياسة، وهي التي سأقدم فيما يلي ترجمتي لمعظم سطورها.

هذه شرائع العدالة التي نصبها حمورابي الملك القدير

والتي أعطى البلاد بها حكماً رشيداً ونظم أحوالها

أنا حمورابي الملك الكامل

لم أكن مهملاً أو غير عابئ بالشعب

الذي عهد به إليَّ الإله إنليل

وأوكل إليَّ رعايته الإله مردوخ

لقد سعيت إلى إحلال السلام في أراضيهم

وتغلبت على كل الصعاب في سبيل ذلك

وجعلت النور يسطع عليهم

لقد قطعت دابر العدو من أعلى ومن أسفل

بالأسلحة القوية التي وهبتْني إياها إنانا وزبابا

وبالبصيرة النافذة التي وهني إياها الإله إنكي

وبالقدرة التي وهبني إياها الإله مردوخ

لقد وضعتُ حداً للحروب وللاقتتال

وأحللتُ الدعة والرخاء في الأرض

وجعلتُ الناس يهنأون في مساكنهم

ولن يفزعهم بعد ذلك أحد

لقد دعاني الآلهة العظام (السبعة)

فصرتُ محسناً وراعياً يحمل صولجان العدل

وبسطتُ ظلي اللطيف فوق مدينتي

وفي حضني حملتُ شعب سومر وأكاد

فنموا وازدهروا تحت حمايتي

وحكمتُ عليهم بسلام وأفاءت عليهم حكمتي

ولكي لا يطغى القوي على الضعيف

وينال العدل كل يتيم وأرملة

فقد نقشتُ كلماتي الثمينة على هذا النصب

في بابل المدينة التي أعلى من شأنها آنو إنليل

وفي معبد الإيزاجيلا الراسخ الأساسات مثل السماء والأرض

وتحت تمثالي كملك للعدل من أجل تحقيق العدالة في الأرض

ومن أجل فرض القوانين في البلاد وإنصاف المظلومين

أنا الملك الأَجَلُّ بين الملوك

كلماتي صفوة الكلام وقدرتي بلا شبيه

بتوجيه من شماش قاضي السماء والأرض

أنفذتُ عدالتي في البلاد

وبأمر الإله مردوخ سيدي

فلتبقَ تماثيلي قائمة لا يُبطلها أحد

في مبعد الإيزاجيلا الأثير عندي

لتلهج الألسنة بذكر اسمي إلى الأبد

ليأتِ كل مظلوم صاحب قضية

إلى حضرة تمثالي، أنا ملك العدل

ويقرأ بعناية ما نُقش تحته على النصب

فيفهم حالته ويعي قضيته

ويطمئن قلبه ويهدأ باله قائلاً:

«إن حمورابي السيد الذي هو أب لشعبه

لقد هب لتحقيق كلمة سيده مردوخ

وأنفذ كلمته في الأعلى والأسفل

وأدخل السرور إلى قلب سيده مردوخ

لقد جعل شعبه في هناءة على مر الأيام

وحكم البلاد كما يجب»

وليُصلِّ من كل قلبه من أجلي

في حضرة سيدي مردوخ وسيدتي ساربانتي

وعلى مر الأيام المقبلة

عسى على الملك الذي يحكم من بعدي

أن يطبق كلمات العدالة التي كتبتُها على هذا النصب

وعسى أن يكشف له نصبي الطريق

وأن يكون عوناً له في حكم الشعب

عسى أن يتلو هذه الشريعة عليهم

وأن يقطع دابر الشر والفساد من الأرض

وأن يسعى إلى رفاهية وسعادة الناس

أنا حمورابي. أنا ملك العدل

الذي وضع شماش الشريعة بين يديه

أعمالي غير مسبوقة

وكلماتي صفوة الكلام، الأحمق وحده لا يفهمها

ولكن الحكيم يُعجب بها

إذا أصغى ذلك الملك لكلماتي المنقوشة على النصب

ولم يُبطلْ شريعتي أو يُحرِّفْ فيها، ولم يمس تمثالي

فليمد شماش في حكمه مثلما مد في حكم ملك العدل

حتى يسوس شعبه بالعدل

ولكن إذا لم يصغِ ذلك الملك لكلماتي المنقوشة على النصب

ولم يعبء بلعناتي ولعنات الآلهة

وأبطل شريعتي وحرَّف كلماتي ومسَّ تمثالي

وطمس اسمي المدون عليها ووضع اسمه مكانه

فليحرمه آنو القدير أبو الآلهة الذي نصَّبني من سلطانه

ويكسر صولجان حكمه ويحيط باللعنة مصيره

وليضرم إنليل رب المصائر في وجهه ثورات لا تهدأ

حتى يقوده حظه التعس إلى الدمار

ليجعل عهده عهد ويلات ومجاعات وظلام

ليقصّر في أيامه ويأتي به إلى نهاية سريعة

ليحكم على بلدته بالدمار وعلى شعبه بالفرقة

ويمحُ اسمه من ذاكرة البلاد

عسى إنكي أحكم الآلهة العارف بكل شيء

أن يحرمه المعرفة والفهم ويُضل خطاه

ويجفف أنهاره وينابيعه

ويحرم البلاد في أيامه من القمح حياة الناس

عسى شماش قاضي السماء والأرض القدير

ومسدد خطى الكائنات الحية

أن يهدم مُلكه ولا يهديه سواء السبيل

ويبلبل أحلامه بالرؤى الشريرة

التي تبشره باجتثاث أساسات مملكته

ليقطعه من بين الأحياء

وفي العالم الأسفل فليعطش شبحه إلى الماء

عسى سن سيد السماوات

ينزع منه التاج والعرش

ويجعل حياته كلها صراع مع الموت

عسى هدد رب الوفرة وساقي السماوات والأرض

يحرمه من مطر السماء ومن ماء الينابيع

ويهلك أرضه بالجوع والفاقة

ويرعد باستمرار فوق مدينته ويغرقها بالطوفان

عسى زبابا (= ننورتا) المحارب الجبار

بكر إنليل الذي يسير إلى جانبي

يفُلُّ أسلحته في أرض المعركة فيطأ عليه عدوه

عسى إنانا سيدة المعارك

أن تلعن في فورة غضبها حكمه

وتحيل كل خير له إلى شر

تصرع مقاتليه وتسقي الأرض بدمائهم

وتُسلمه بعد ذلك ليد أعدائه

فيُحمل أسيراً في الأغلال إلى بلاد معادية

عسى ننكاراك (سيدة الشفاء) شفيعتي في معبد الإيكور

أن تصيب جسده بعلل لا شفاء منها

ولا يعرف لها طبيب علاجاً

عسى ننتو سيدة الأرض المبجلة (ربة الولادة)

أن تقطع نسله فلا يُرزق بوريث ذكر

عسى آلهة السماء والأرض جميعاً

أن يرسلوا عليه وعلى عَقِبه وأرضه اللعنة

عسى إنليل الذي لا مبدل لكلماته

أن يلعنه بهذه اللعنات جميعاً. ([1])

[1] عن نص T.J. Meek  المنشور في موسوعة نصوص الشرق القديم:

  • Pritchard, edt, Ancient Near Eastern Texts, Princeton, 1969, PP. 177-180