مدونة فراس السّواح

جلجامش – المُعَلَّقَة البابلية ج2

بقلم فراس السوّاح

كان جلجامش فرداً حراً في مجتمع من العبيد، وملكاً مطلق السلطان مفعماً بالحيوية والنشاط. ولكن هذا الملك الشاب لم يكن يعرف ماذا يفعل بحريته وتكوينه الجسدي الخارق، فبنى وأشاد فلم يقنع ولم يرضَ، وطغى وبغى فلم يجد في الطغيان متنفساً لهيجان روحه وفيض طاقته.

دراسة وتحليل

في الحلقة الماضية من هذه الدراسة قدمت نبذة مختصرة عن سيرة جلجامش ملك مدينة أوروك السومرية كما روتها الملحمة البابلية. وفي هذه الحلقة سأتفرغ لإلقاء الضوء على رسالتها ومعانيها من خلال رصد أربع مراحل لتطور شخصية بطلها.

الطور الأول – الفردية وأوهام الحرية المطلقة:

كان جلجامش فرداً حراً في مجتمع من العبيد، وملكاً مطلق السلطان مفعماً بالحيوية والنشاط. ولكن هذا الملك الشاب لم يكن يعرف ماذا يفعل بحريته وتكوينه الجسدي الخارق، فبنى وأشاد فلم يقنع ولم يرضَ، وطغى وبغى فلم يجد في الطغيان متنفساً لهيجان روحه وفيض طاقته. وفي البراري عاش مخلوق متفوق آخر، إنكيدو الذي خلقته الآلهة استجابة لضراعة أهل أوروك علّهم يستريحون من بغي جلجامش إذا التقى الاثنان ودخلا في صراع دائم. كان إنكيدو حراً في براريه مثل جلجامش، ولكن حريته لم تكن مستمدة من سلطته على الناس بل من حياة الطبيعة التي لا تعرف شرائع الحضارة. وعندما واجه إنكيدو البشر للمرة الأولى في مساكن الرعاة حيث قادته كاهنة الحب، لم يجد في قوته الخارقة ذريعة للتسلط عليهم بل سخرها لصالح الجماعة عندما راح يحرس قطعان الماشية ويطارد الأسود ليكفي الرعاة شرها.

الطور الثاني – الالتزام:

لقد صحّت توقعات أهل أوروك. فقد تراخت قبضة جلجامش عن رعيته بعد لقائه بإنكيدو، ولكن لا لأنهما دخلا في صراع لا ينتهي بل لأن صداقة إنكيدو مارست تأثيراً حاسماً على جلجامش، والحب الذي نشأ بينهما أخذ يوجه القدرة المنفلتة لجلجامش نحو أهداف نبيلة. لقد ظهر أمامه رجل حر آخر تعلّم من تعامله معه احترام حرية الآخرين، وأدرك أن الحرية الفردية لا معنى لها إذا لم تتحدد بحرية الآخرين. راح جلجامش يبحث عن مضمون للحرية وعن جدوى الحياة الإنسانية، فوجدها في الأعمال الجليلة التي تُخلّد اسم صاحبها وتترك له اسماً باقياً على مر الأزمان. وفيما كان الصديقان يتجاذبان أطراف الحديث في إحدى الأمسيات، فاجأ جلجامش إنكيدو بمشروعه للسفر إلى غابة الأرز البعيدة لقتل حارسها الوحش المخيف حواوا واحتطاب شجرها:

في الغابة هناك يعيش حواوا الرهيب

هيا أنا وأنت نقتله

هيا نمسح الشر عن وجه الأرض.

فإذا سقطتُ أصنع لنفسي شهرة:

” لقد سقط جلجامش، صرعه حواوا الرهيب”.

وإذا نجحت سأقطع أشجار الأرز

وأصنع لنفسي اسماً على مر الدهور.

ونلاحظ هنا أن هذا العمل البطولي الذي سيشرع به جلجامش هو في الوقت نفسه التزام أخلاقي، والصراع مع حواوا هو صراع ضد قوى الشر التي يمثلها. فهو سيخلد لنفسه اسماً ولكن من خلال التزام بقضية إنسانية تتجاوز الهم الفردي.

غادر جلجامش وإنكيدو أوروك بعد أن حصلا على بركة الإله شمش إله الشمس والعدالة. ورافقه إلى البوابة شيوخ أوروك مودّعين، فجلجامش لم يعد الآن ذلك الحاكم الذي يرهبه الناس، بل الحاكم المحبوب الذي يحزن الشعب لغيابه ويدعو له بعودة سالمة. وبعد رحلة مليئة بالأخطار ومواجهة حاسمة مع حواوا انتهت بقطع رأسه، عاد البطلان إلى أوروك ورأت الإلهة عشتار جلجامش وقد جللته هيبة النصر فتاقت إلى وصاله وعرضت عليه الزواج. وهنا تظهر ثقة جلجامش الإنسانية في أقوى أشكالها، فهو لم يكتفِ برفض عرضها وإنما راح يعدد مثالبها وخياناتها لعشاقها:

ما هو نصيبي منكِ إذا تزوجتكِ؟

ما أنتِ إلا موقد تخمد ناره وقت البرد.

باب متصدع لا يحمي من ريح أو عاصفة.

حفرة تخفي فوهتها كل غدر.

قارٌ يلوث ناقله.

قربة تبلل حاملها.

صندل يزِلًّ به منتعله.

أي حبيب أخلصتِ له إلى الأبد؟

وهذه أول سابقة مدونة في التاريخ عن إنسان يضع إرادته في مقابل إرادة الآلهة، يتحداها ويمتحن قوته تجاهها. وقد سار جلجامش في تحديه هذا إلى أقصى مدى له عندما قتل مع إنكيدو ثور السماء الذي وهبه كبير الآلهة آنو لعشتار لكي تهلك به جلجامش. وعندما ارتقت عشتار سور أوروك تهدد بالثبور وعظائم الأمور صائحة: “ويل لجلجامش. لقد مرغني بالتراب من قتل ثور السماء”، نالت الإهانة الثانية من إنكيدو عندما انتزع فخذ ثور السماء القتيل ورماها به قائلاً: ” لو استطعت الإمساك بكِ لنالكِ مني مثل الذي ناله”.

بعد هذا التهديد الصارخ بالقتل يوجهه بشر فانٍ إلى إله، جاء رد فعل مجمع الآلهة سريعاً لكي يعيد التوازن بين عالم الآلهة وعالم البشر، وقرر الآلهة في اجتماعهم إنزال العقوبة بالبطلين. فإنكيدو يجب أن يموت وجلجامش سيحزن عليه ما تبقى من عمره. وهكذا استلقى إنكيدو على فراش المرض وراح جلجامش يندبه. وعندما هدأت حركة إنكيدو:

تحسس قلبه فلم يجد له نبضاً

فرمى عليه وشاحاً  كوشاح العروس

ورفع صوته بصراخ مثل زئير الأسد:

انصتوا إلي يا شيوخ أوروك، اسمعوني.

إني أبكي صديقي إنكيدو

أبكي بحرقة النساء الندابات

كان البلطة إلى جنبي والقوس في يدي

المدية في حزامي والترس الذي أمامي

حلة عيدي، فرحي، فرحي الوحيد.

لم يصدق جلجامش موت صديقه وبقي إلى جانبه ستة أيام وسبع ليالٍ، ولم يسلمه للدفن حتى سقطت دودة من أنفه. وهنا انهارت عوالم جلجامش القديمة برمتها، وتحول الواقع إلى ركام مختلط في عقله المشوش.

الطور الثالث – تفكك الواقع والبحث عن المستحيل:

بعد أن دفن جلجامش صديقه وفق الطقوس اللازمة، ترك أوروك وحيداً شريداً، أشعث أغبر، يرتدي جلود الآساد التي يقنصها ويغتذي على ما يتيسر له من لحوم الطرائد، في رحلة حلمية تبدو خارج الزمان والمكان، باحثاً عن أوتنابشتيم الرجل الحكيم الذي نال الخلود من دون بقية البشر، ليسأله عن سر الحياة والموت وكيف الحصول على الخلود. ولكن بحثه هذا لا يتخذ طابعاً واقعياً بل طابعاً تهويمياً يجري في أعماق نفس مفككة لا تجد في رفضها للواقع أفضل من البحث عن المستحيل. وبما أن البحث عن المستحيل هو مستحيل في حد ذاته، فإن جلجامش وفق تفسيري لم يكن باحثاً عن الخلود وإنما عن معنى الحياة. ولم تكن عودته إلى أوروك دون تحصيل الخلود هزيمة أمام هدف محكوم عليه سلفاً بالهزيمة، وإنما انتصاراً لسعي وجد في الحياة معنى وغاية.

في رحلته الأولى إلى غابة الأرز كان جلجامش يتحرك ضمن مكان وزمان واقعيين محسوبين بمقاييس البشر، حيث تحسب المسافة بالساعة المضاعفة (وهي مقياس بابلي للمسافة) ويحسب الزمن باليوم. أما في رحلته إلى أوتنابشتيم فقد انقطع جلجامش عن الواقع ودخل في الزمان الأسطوري، يتحرك في مكان غير محدد ويجتاز مفازات لم يسمع بها أو يعرفها أحد، دون أن يحكم حركته إيقاع زمن الناس، ويقابل كائنات ليست من طينة البشر. وصل في رحلته مغرب الشمس حيث تعيش مخلوقات نصفها إنسان ونصفها عقرب، وعند جبل ماشو الذي يحرس البوابة التي تنزل منها الشمس عند المغيب إلى العالم الأسفل، سألهم عن الطريق إلى أوتنابشتيم فدلوه على مسلك الشمس السفلي فنزل فيه فعبر العالم من مغرب الشمس إلى مشرقها، حتى وجد نفسه على شاطئ المحيط المائي العظيم الذي يحيط بالمعمورة. وهناك يلتقي بالفتاة الغامضة سيدوري ساقية حان الآلهة، ثم بالملاح أورشنابي ربان سفينة أوتنابشتيم، فعبر معه مياه الموت إلى جزيرة في أعماق ذلك البحر حيث يعيش سيده مع زوجته خالدين فيها. وفي كل لقاء له كان يكرر القول نفسه عن حزنه على إنكيدو وجزعه من الموت وبحثه عن الخلود، وفي كل مرة كان يتلقى الدرس نفسه في معنى الحياة:

قال له الإله شمش:

إلى أين تمضي يا جلجامش

وإلى أين تسعى بك قدماك؟

الحياة التي تبحث عنها لن تجدها.

وقالت له فتاة الحان سيدوري:

إلى أين تمضي يا جلجامش؟

الحياة التي تبحث عنها لن تجدها

فالآلهة لما خلقت البشر

جعلت الموت لهم نصيباً

وحبست بين أيديها الحياة.

أما أنت يا جلجامش فاملأ بطنك

افرح ليلك ونهارك

اجعل من كل يوم عيداً

ارقص لاهياً في الليل والنهار

اخطر بثياب نظيفة زاهية

اغسل رأسك وتحمم بالمياه

دلل صغيرك الذي يمسك يدك

واسعد زوجك بين أحضانك

هذا هو نصيب البشر من الحياة.

إن سيدوري لا تدعو هنا جلجامش إلى موقف عدمي من الحياة كما قد يتهيأ للبعض. وما تريد قوله فعلاً هو إن هدف الحياة كامن فيها، في الممكنات غير المحدودة التي تتيحها لنا، والتي نعمى عنها عندما يداهمنا رعب الموت فنسعى إلى إطالة عمر لا نعرف ماذا نفعل به. فهل استنفدنا ممكنات الحياة قبل أن نطمح إلى الخلود؟ وهل أغنينا حياتنا وحياة الآخرين من حولنا قبل أن نفكر في إطالتها؟ إن الموت حق، ولكن الحياة حق أيضاً، ونحن قادرون على تفجير كل لحظة من لحظاتها وتفتيح أقصى ممكناتها، وليست الممكنات التي عددتها سيدوري إلا بعضها.

وقال له أوتنابشتيم:

هل نشيد بيوتاً لا يدركها الفنا؟

وهل نعقد ميثاقاً لا يصيبه البلى؟

هل يقتسم الإخوة ميراثهم ليبقى دهرا؟

وهل ينزرع الحقد في الأرض دواما؟

هل يخرج اليعسوب من شرنقته

ليدير وجهه للشمس طوالا؟

فمنذ القدم لا تُظهر الأمور ثباتا

في البدء اجتمع الآلهة الكبار

فوزعوا الحياة والموت

ولم يكشفوا لحي عن أجَلَه الموقوت.

فالحياة قائمة بالتغير الدائم، والوجود صيرورة وتبدل لا ثبات. وهذا يعني أن الخلود هو شكل من أشكال العدم. وجلجامش نفسه عندما التقى أوتنابشتيم بعد طول تلهف، لم يرَ في حياته صورة مشرقة للخلود الذي يبحث عنه. فها هو في جزيرته النائية لا يفعل شيئاً ولا ينتظر أن تأتيه الحياة بشيء، فقال له:

أنظر إليك يا أوتنابشتيم

فأرى شكلك عادي وأنت مثلنا.

لقد صوّرك لي جناني كبطل على أهبة القتال،

ولكن ها أنت مضطجع على جنبك أو قفاك.

فقل لي كيف نلتَ الحياة وصرتَ مع الآلهة؟

بعد أن سمع جلجامش من أوتنابشتيم قصة الطوفان وكيف حصل على الخلود نتيجة وضع استثنائي لن يتسنى لأحد آخر من البشر، تنتهي الرحلة الحلمية ويتهيأ جلجامش لرحلة العودة مع أورشنابي الملاح. ولكن أوتنابشتيم أراد أن يحقق له بعضاً مما جاء لأجله، فيدله على نبتة سحرية تنمو في الأعماق المائية تجدد شباب من يأكل منها دون أن تهبه الخلود، فنزل في الماء واقتلعها. ولكن شيئاً ما حصل هناك في عمق المياه عندما رأى شارة وضعها له في الأعماق الإله إيا إله الماء والحكمة، ولكنه لم يفهم مغزاها. بعد ذلك تجهز جلجامش لرحلة العودة وقال لأورشنابي:

إنها نبتة عجائبية يا أورشنابي

بها يستعيد الإنسان قواه السابقة

سأحملها معي إلى أوروك وأوزع منها على الشيوخ

وأسميها رجوع الشيخ إلى صباه

ولسوف آكل منها أيضاً فأعود إلى صباي.

نلاحظ هنا كيف تحول هاجس جلجامش من هاجس فردي إلى هاجس جمعي. فهو سيوزع النبتة على شيوخ أوروك ويكون آخر من يأكل منها. وهذه إشارة إلى ما حققته الرحلة من تحول عميق في شخصيته.

الطور الرابع – إعادة تركيب الواقع:

تتميز رحلة العودة بواقعيتها، فهو لا يرجع على الدرب الذي جاء منه بما يحتويه من عجائب وغراب، لأن رحلة العودة إلى أوروك هي رحلة العودة إلى الواقع ونهاية للرحلة الحلمية:

بعد عشرين ساعة مضاعفة توقفا للطعام

وبعد عشرين أخرى توقفا لقضاء الليل.

فرأى جلجامش بركة ماء بارد

فنزل فيها واستحم.

فتشممت الحية رائحة النبتة

وتسللت من الماء وخطفتها

وبينما هي راجعة تجدد جلدها.

وهنا جلس جلجامش وبكى:

لمن أضنيتُ يا أورشنابي يديَّ

ولمن بذلتُ دماء قلبي؟

لم أجنِ لنفسي نعمة ما

بل لحية التراب جنيت النعمة

عندما نزلتُ المجرى المائي وفتحتُ القناة

وجدتُ شارة وُضعت لي

وإني أعلن انسحابي.

بعد ضياع النبتة السحرية فهم جلجامش مغزى شارة إله الحكمة ولكنه لم يقل لنا ما هو. ولا بد أن يكون نوع من انكشاف البصيرة الذي يسعى إليه كل إنسان حكيم، والذي ساعد جلجامش على استيعاب دروس الرحلة.

بعد عشرين ساعة مضاعفة توقفا للطعام

بعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا لقضاء الليل.

وعندما وصلا أوروك ذات الأسوار

قال لأورشنابي:

أي أورشنابي. اعلُ سور أوروك، امشِ عليه

المس قاعدته، تفحص صنعة آجره

إن لَبِانته من آجر مكين

والحكماء السبعة من وضع له الأساس.

إن السطور الأربعة الأخيرة هي نفسها السطور التي ابتدأت بها الملحمة. وهذا ليس إيحاءً من قبل المؤلف بعبثية رحلة جلجامش التي سارت في دائرة مغلقة كما يقول كثير من الدارسين، وإنما توكيداً على فكرة هي بؤرة تفسيرنا. فجلجامش قد غادر واقعاً غير مفهوم وغير مقبول ليعود إليه بحكمة تساعده على فهمه وقبوله.

لم يقهر جلجامش الموت ولكنه قبل له. وبقبوله بالموت فقد قبل الحياة.