وراء عشرات آلاف الرُقُم التي تركتها لنا ثقافات الشرق القديم في شتى الموضوعات الاقتصادية والأدبية والتاريخية والدينية، هنالك كتبةٌ أنفقوا حياتهم في تعلُّم فنون الكتابة، وفي نسخ الألواح القديمة من الموروث العتيد، وبعضهم وصل مرحلة الإبداع الأدبي فطور في النصوص القديمة وأضاف عليها، أو أنتج نصوصاً إبداعية على غير نموذج سابق. وقد شكَّل هؤلاء الشريحة المتعلمة في المجتمع، التي حافظت على الموروث، وأنتجت المعرفة، وأشرفت على تداولها بين الأجيال. معظم أفراد هذه الشريحة كانوا جنوداً مجهولين عملوا في خدمة القصر الملكي أو المعبد، وتركوا لنا آلاف الرقم التي لم تذكر اسم ناسِخها أو كاتِبها، لا سيما من فترة الألف الثالث ومطلع الألف الثاني قبل الميلاد، عندما لم يكن من عادة الكتبة أن يمهروا نتاجهم بتوقيعهم. ولكن في سياق الألف الثاني قبل الميلاد أخذ بعض كبار المعلمين الكتبة بتذييل نصوصهم بأسمائهم ضمن حاشية تذكر عنوان النص، ورقم اللوح في السلسلة، وتاريخَه، واسمَ الملك الذي دوّن في عهده؛ وإذا كان النص منسوخاً عن رقيم قديم، فإن الكاتب يورد للأمانة العلمية أن النص قد نُسخ عن الأصل وتمت مقارنته ومطابقته. من هؤلاء الكتبة من خَلَد اسمه بخلود النص الذي نسخه أو حرره أو أبدعه مثل الكاهن سن ليكي إنيني محرر نص ملحمة جلجامش البابلي، والكاتب نور- آيا محرر أسطورة أتراحاسيس البابلية، والكاتب إيلي ميلكو محرر نصوص بعل الأوغاريتية. وقد ادعى الملك العظيم آشور بانيبال صاحب مكتبة نينوى الشهيرة، أنه قد نسخ بنفسه بعض النصوص القديمة اعتماداً على نسخ متفرقة لها. فقد وردت في آخر نص «إرَّا وإيشوم»، حاشية يقول فيها هذا الملك ما يلي: «أنا آشور بانيبال، الملك العظيم، ملك العالم، ملك آشور، قد كتبتُ وفحصتُ وقارنتُ هذا اللوح، بالتعاون مع المعلمين الكتبة، وذلك اعتماداً على ألواح طينية وألواح خشبية، وهي نسخ جُلبت من آشور وسومر وأكاد. وقد وضعته في قصري من أجل القراءة الملكية».
من آلاف الرقم التي وصلتنا من سومر والتي تنتمي إلى الألف الثالث قبل الميلاد، لدينا نصوص على جانب كبير من الأهمية تلقي ضوءاً على نظام التعليم في سومر، وتعطينا فكرة عن المدارس التي تعلم فيها هؤلاء الكتبة وتمرسوا في جميع علوم عصرهم قبل أن يتخرجوا منها ليمارسوا أعمالهم الكتابية في القصور الملكية أو المعابد أو لدى أصحاب الإقطاعيات الكبيرة؛ ومنها هذا النص الذي نقدمه فيما يلي، والذي يستذكر فيه كاتبه أيام الدراسة من خلال حوارية بينه وبين تلميذ متقدم قارب على التخرج من مدرسة سومرية لإعداد الكتبة المتخصصين في الكتابة المسمارية. ولعل هذه الحوارية ليست إلا نوعاً من المونولوج الداخلي، وليس التلميذ المتقدم إلا الكاتب نفسه في صغره.
يبتدئ هذا النص الذي يحمل عنوان «أيها التلميذ المتقدم، إلى أين كنت تذهب عندما كنت صغيراً؟» بالسؤال نفسه: «أيها التلميذ المتقدم، إلى أين كنت تذهب عندما كنت صغيراً؟» فيجيب التلميذ بقوله: «كنت أذهب إلى المدرسة». فيقول الكاتب، الذي كان على ما يبدو أستاذاً في إحدى هذه المدارس: «وماذا كنت تفعل في المدرسة؟» وهنا يبدأ التلميذ بإعطائنا صورة عن حياة التلميذ بين مدرسته وبيته وعن علاقاته مع أساتذته وزملائه وأهله، وهي صورة لا تختلف في شيء عن صورة حياة التلميذ في عصرنا الراهن:
«كنت أستظهر لوحي، وبعد أن أتناول طعام غذائي أهيئ لوحي الجديد لأكتب عليه وأُنهيه؛ ثم يُؤْتَى لي باللوح الذي سأنقل منه؛ وبعد الظهر يؤتى لي بلوح التمارين. وعندما ينتهي الدوام، أذهب إلى البيت، لأجد أبي جالساً هناك، فأُطلع أبي على لوح تماريني، وأستظهر لوحي أمامه، فيُسر أبي لذلك، فأُقبل عليه بحبور».
وهنا يجعل كاتب النص التلميذ يلتفت إلى خدم البيت، الذي كان بيتاً ميسوراً على ما يبدو، ويعطيهم أوامره:
«أعطوني ماءً فأنا عطشان، أعطوني طعاماً فأنا جائع، اغسلوا قدميّ وجهزوا سريري، فإني ذاهب إلى النوم، أيقظوني في الصباح الباكر كي لا أصل متأخراً فأنال ضربة عصا».
تُلبى كل طلباته على ما يبدو، ويذهب تلميذنا إلى النوم، ليتابع إطلاعنا على برنامج اليوم التالي:
«عندما أستيقظُ في الصباح ألتفتُ إلى أمي قائلاً لها: أعطني طعام غذائي، فأنا ذاهب إلى المدرسة. فتعطيني أمي رغيفين فأذهب إلى المدرسة. عندما أصل إلى المدرسة يقول لي مسؤول الدوام: لماذا تأخرت؟ فأدخلُ إلى حضرة أستاذي وأحييه باحترام».
ولكن الأمور لم تسر على ما يشتهي تلميذنا القديم، فلقد تلقى ضربات العصا من أكثر من فرد من أفراد الهيئة التدريسية والإدارية لأخطائه في الكتابة وطيشه في باحة المدرسة:
«قرأ أستاذي لوحي وقال لي: لقد أغفلت بعض الكلمات، ثم ضربني بالعصا.
قال لي المسؤول عن الترتيب: لقد تسكعت في الطريق ووصلت متأخراً، وهندامك سيئ، ثم ضربني بالعصا.
قالي لي المسؤول عن الهدوء: لماذا تتكلم من غير إذن، ثم ضربني بالعصا.
قال لي المسؤول عن الاجتماع: لماذا تقف متراخياً دون إذن، ثم ضربني بالعصا.
قالي لي المسؤول عن الانضباط: لماذا تنهض دون إذن، ثم ضربني بالعصا.
قال لي المسؤول عن البوابة: لماذا تحاول الخروج دون إذن، ثم ضربني بالعصا.
قال لي المسؤول عن السوط: لماذا…… ثم ضربني بالعصا.
قال لي المسؤول عن اللغة السومرية: لماذا لا تتحدث السومرية، ثم ضربني بالعصا.
قالي لي أستاذي: إن خطك رديء، ثم ضربني بالعصا.
وهكذا صرت أكره تعلم الكتابة وأتجاهل فروضي؛ ولم يعد أستاذي راضياً عني ولم يعد راغباً في تعليمي وتأهيلي لأغدو كاتباً يافعاً، ومن ثم كاتباً معلماً».
بعد حالة اليأس التي انتابت التلميذ، يمضي إلى أبيه في محاولة لإصلاح الأمور، ويقترح عليه أن يدعو الأستاذ إلى بيتهم ويكرمه ويغدق عليه لكي يعيره اهتماماً خاصاً ويعود معه سيرته الأولى:
«استمع الأب إلى ما قاله ابنه، فدعا الأستاذ إلى البيت، وأجلسه على الكرسي الكبير، وراح التلميذ يخدمه؛ ثم راح يستذكر أمام أبيه كل ما تعلمه بخصوص فن الكتابة. ففرح أبوه وابتهج وقال للأستاذ: لقد أحسنتَ تعليم ابني فن الكتابة، وشرحت له حلول المسائل الحسابية والرياضية، وجعلته يتعمق في هذه العلوم. ثم التفت إلى الخدم قائلاً: ابسطوا له المائدة وصبوا له الزيت دون حساب كما الماء. أريد أن ألبسه عباءة جديدة، وأضع خاتماً في إصبعه، وأعطيه إكرامية فوق راتبه».
فعل الخدم ما أمرهم به سيدهم. وهنا جاء دور المعلم بالكلام فقال:
«لأنك لم تتجاهل كلماتي أيها الصغير ولم تصرف سمعك عنها، سوف تكمِّل تعليمك المدرسي في فن الكتابة من البداية وحتى النهاية. ولأنك قدمت لي دون تقتير، وبجلتني، وأعطيتني فوق ما أستحق، لتكن الإلهة نيدابا (إلهة الكتابة)، ملكة الملائكة الحارسة حارستك ومرشدتك، وليكتب قلمك بشكل حسن ولا تحتوي تمارينك على أي أخطاء. لتكن المترئس على زملائك والأول في ترتيب المتخرجين. عسى أن تُرضي كل من سيفيد من خدماتك وتلقى الاحترام من الجميع… لسوف تنهي نشاطاتك المدرسية بنجاح وتغدو رجل علم ومعرفة، فترضي الإلهة نيدابا سيدة التعليم والكتابة. فيا نيدابا لك الحمد والثناء».
على هذه الشاكلة ينتهي هذا النص الطريف الذي يلقي بعض الضوء على الهيكلية العامة للمدرسة السومرية وطرائق التدريس فيها، وعلى الحياة اليومية للطلبة. وقد وصلنا منه حتى الآن نحو عشرين نسخة محفوظة الآن في عدد من المتاحف العالمية. يعود النص في زمن تدوينه إلى نحو عام 2000 ق.م، عندما تعايشت الثقافتان السومرية والأكادية السامية وتداخلتا مع بعضهما بعضاً، وعندما كانت كلتا اللغتين تُدَرَّسان في مدارس بلاد الرافدين. ولقد أنار لنا هذا النص، وعدد آخر من النصوص السومرية المشابهة، جوانب متعددة من أول نظام تعليمي في الحضارة الإنسانية.
لدينا نص لا يخلو من الطرافة أيضاً يدور حول الكاتب وابنه التلميذ الكسول. وهو على شكل حوارية ينتقد فيها الأب سلوك ابنه الطائش وإهماله لفروضه ودروسه، ويقدم له النصائح التي من شأنها تحويله إلى رجل ناضج، ويذكّره بالامتيازات التي يتمتع بها مقارنة بمن هم في سنه. فالأب لم يدعه يحرث الأرض وراء الثور، ولم يرسله للاحتطاب أو جمع القصب، ولم يوجهه إلى العمل في مهنة تدر الربح ليساعد أباه في إعالة الأسرة. ومع ذلك فإن الابن لا يقدر ذلك كله حق قدره، ويمضي وقته في اللعب والتسكع في الطرقات، مما لا يليق بتلميذ يسعى لأن تكون له مكانته المرموقة في المجتمع، ويخلف أباه في مهنة الكتابة، وهي أشق وأنبل مهنة أخرجها إلى الوجود إله الحرف والفنون. يبتدئ النص بسؤال يوجهه الأب إلى ابنه بعد أن تفقده ولم يجده:
«إلى أين ذهبت؟».
«لم أذهب إلى أي مكان».
«حسن، أنت لم تذهب إلى أي مكان، ولكن لماذا تتراخى هنا وهناك؟ هيا إلى المدرسة، وهناك قف أمام معلمك واستظهر درسك. افتح حقيبتك المدرسية واكتب لوحك، ودع معلمك يكتب لك لوحاً جديداً. وبعد الانتهاء من تدريباتك اعرضها على مساعد الأستاذ، ثم ارجع إلى هنا من غير أن تتسكع في الطرقات. هل وعيت كل ما قلته لك؟».
«نعم لقد وعيته».
«إذن أعد على مسامعي ما قلته لك».
«سوف أُعيد عليك ما قلته لي».
«هيا أعده عليَّ».
«لقد قلت لي أن أذهب إلى المدرسة، وهناك أقف أمام معلمي وأستظهر أمامه درسي، ثم أفتح حقيبتي المدرسية وأكتب لوحي، في الوقت الذي يُعدّ لي معلمي اللوح الجديد. وبعد الانتهاء من تدريباتي علي أن أعرضها على مساعد الأستاذ، ثم أرجع إلى البيت من غير أن أتسكع في الطرقات. هذا ما قلته لي».
«الآن هيا، تصرف كرجل. لا تتلكأ في الساحات العامة والطرقات. وعندما تمشي لا تتلفت وتصرف انتباهك لما حولك. وفي المدرسة أظهر تواضعاً وخشية أمام معلمك ليرضى عنك».
(يلي ذلك 15 سطراً تالفة. نجد بعدها أن الحوارية قد انتهت، ويبدأ الأب حديثاً منفرداً حتى نهاية النص):
«أنت الذي تتسكع في الساحات العامة، هل تعتقد أنك بسلوكك هذا تحرز تقدماً ونجاحاً؟ بدلاً من ذلك هلا واظبت على المدرسة التي ستكون أكثر فائدة لك، وهلا طلبت هناك معونة الجيل السابق وأخذت عنهم العلم.
«أيها الولد المنحرف الذي أُنفق وقتي في مراقبته- ولستُ بالرجل حقاً إن لم أبذل جهدي في مراقبة ابني- لقد تحدثتُ مع رفاقي وقارنتك بأولادهم، فلم أجد بينهم أحداً مثلك.
«إن ما أقوله لك من شأنه أن يحوّل الأحمق إلى حكيم، ويروض الأفعى مثلما يفعل السحر، ويصرف سمعك عن الكلام الزائف.
«لأن قلبي مليء بالقلق عليك، فقد عزفتُ عن سماع مخاوفك وتذمرك. لقد دفعني تذمرك إلى عدم الرضا عنك. ولأنك لا تهتم بتحسين وضعك الإنساني، فإن قلبي يتمزق كمن عصفت به رياح شيطانية، وصرتُ كمن قارب نهايته وأوشك على الموت.
«لم أجعلك قط تحمل حُزم القصب من أجماته، القصب الذي يحمله الكبار والصغار لم تحمله في حياتك. لم أطلب إليك قط أن تسير في قافلتي، ولم أرسلك للعمل في حقلي كأجير يفلح الأرض. لم أقل لك يوماً قم فاشتغل لكي تعيلني.
«إن أمثالك يكدون ويتعبون لإعالة أهلهم. وإذا تحدثتَ إلى أقرانك ورأيتَ ما يفعلون وقدرتَه حق قدره لرغبت في محاكاتهم. إن كلاً منهم يقدم لأبيه زنة عشر جورات من الشعير، إضافةً إلى الزيت والصوف وما إليها. لقد دفعهم آباؤهم إلى العمل، ولكني لم أفعل مثلهم، ولم أجعلك تكد مثل أبنائهم.
«إني أتعذب بسببك ليل نهار، بينما تقضي ليلك ونهارك في اللهو والتسلية. لقد كبرت وسمنت واتسعت قامتك طولاً وعرضاً، ولكن أقرانك ينتظرون أن تقع في سوء أعمالك، لأنك لم تعمل على تحسين وضعك الإنساني».
يلي ذلك مقطع غامض في لغته الأصلية، يقع في نحو أربعين سطراً، يقتبس فيه الأب عدداً من الحكم والأمثال السومرية القديمة. ثم ينتهي النص ببركات يسبغها الأب على ابنه ودعوات له بالنجاح والفلاح.
المراجع:
1- S. N. Kramer, From the tablets of Sumer, Falcon Wing Press, Colorado, 1956.
2- S.N. Kramer, The Sumerians, The University of Chicago Press, Chicago, 1963, Chapter 6.