مدونة فراس السّواح

جلجامش – المُعَلَّقَة البابلية ج3

بقلم فراس السوّاح

أنا الجامعة، كنت ملكاً على إسرائيل... عمِلْتُ لنفسي جنات وفراديس، قنيت عبيداً وجواري، وكان لي ولدان البيت. جمعت لنفسي فضة وذهباً، اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، وتنعمات بني البشر سيدة وسيدات. فعظُمْتُ وازددت أكثر من جميع الذين كانوا قبلي في أورشليم، وبقيتْ أيضاً حكمتي معي، ولم أمنع نفسي من كل فرح.

أثر الملحمة في ثقافات العالم القديم

جلجامش و «سفر الجامعة»:

يقدم لنا «سفر الجامعة» في كتاب التوراة، صورة عن استمرارية الحياة الفكرية لحضارات الشرق القديم ووحدتها عبر العصور. فبطل السفر كان ملكاً كجلجامش، عظيماً قوياً حكيماً. بنى وأشاد وتمتع بكل مباهج الدنيا، ثم أتاه الكشف المباغت، فراح يتساءل عن معنى الحياة، طالما الموت خاتمها:

«أنا الجامعة، كنت ملكاً على إسرائيل… عمِلْتُ لنفسي جنات وفراديس، قنيت عبيداً وجواري، وكان لي ولدان البيت. جمعت لنفسي فضة وذهباً، اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، وتنعمات بني البشر سيدة وسيدات. فعظُمْتُ وازددت أكثر من جميع الذين كانوا قبلي في أورشليم، وبقيتْ أيضاً حكمتي معي، ولم أمنع نفسي من كل فرح. ثم التفتُّ أنا إلى كل أعمالي التي عملَتْها يداي، وإلى التعب الذي تعبت في عمله، فإذا الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس…

باطل الأباطيل، الكل باطل. ما فائدة الإنسان من تعبه الذي يتعبه تحت الشمس. دَوْرٌ يمضي ودور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد، والشمس تشرق، والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق (ثانية). الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال، تذهب دائرة دوراناً، وإلى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن. إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة… فليس تحت الشمس من جديد».

بعد هذا يتوصل الجامعة إلى الحكمة التي وعظت بها سيدوري فتاة الحان، جلجامش، قبل أن تدله على الطريق إلى أوتنابشتيم. وسأورد فيما يلي النص التوراتي جنباً إلى جنب مع النص الأكادي لإيضاح التشابه بينهما.

الجامعة: 9: 7-9

اذهب كُلْ خبزك بفرح واشرب خمرك،

لأن الله منذ زمان قد ارتضى عملك.

لتكن ثيابك نظيفة، في كل حين بيضاء،

ولا يعوز رأسك الدهن (الطيب).

التذ عيشاً مع المرأة التي أحببتها.

لأن هذا هو نصيبك في الحياة.

حديث سيدوري، اللوح العاشر:

املأ بطنك، وافرح ليلك ونهارك،

وارقص لاهياً في الليل والنهار.

اخطر بثياب زاهية نظيفة.

اغسل رأسك، حمم جسدك.

دلل صغيرك الذي يمسك بيدك،

واسعد زوجك بين أحضانك،

هذا هو نصيب البشر.

وكما يقول أوتنابشتيم لجلجامش في اللوح العاشر:

لقد اجتمع الأنوناكي، الآلهة الكبار،

و مامي توم سيدة المصائر، قدرت معهم المصائر.

وزعوا الحياة والموت،

ولم يكشفوا عن يومه الموقوت.

كذلك يقول الجامعة:

لكل أمر وقت وحكم،

ولا سلطان على يوم الموت (8: 6-8)

ومثل حديث جلجامش إلى إنكيدو في اللوح الثالث:

الآلهة هم الخالدون في مرتع شمش

أما البشر فأيامهم معدودة

وقبض الريح كل ما يفعلون

كذلك يقول الجامعة:

وجهت قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة

عن كل ما عُمِل تحت السموات

فإذا الكل باطل وقبض الريح (1: 14-15)

ومثل حكمة جلجامش التي تتحدث عنها مقاطع عديدة في الملحمة، كذلك الجامعة:

وَلدٌ فقير وحكيم، خير من ملك شيخ جاهل.

رأيت كل الأحياء السائرين تحت الشمس

مع الولد الثاني (4: 13-15).

الحكمة صالحة مثل الميراث بل أفضل لناظري الشمس،

لأن الذي في ظل الحكمة هو في ظل الفضة،

وفضل المعرفة هو أن الحكمة تحيي أصحابها (7: 11-12).

كلمات فم الحكيم نعمة، وشفتا الجاهل تبتلعانه؛

ابتداء كلمات فمه جهالة، وآخر فمه جنون (10: 12-13).

غير أن الفرق بين الملحمة وسفر الجامعة، هو أن السفر لا يتوصل إلى نفس النتائج الإيجابية الواضحة التي توصل إليها جلجامش، بل يبقى معلقاً بين التمرد الإنساني على القضاء، والخضوع للمشيئة الإلهية غير المفهومة من البشر.

جلجامش وآدم وحواء:

في قصة آدم وحواء التوراتية كثير من العناصر الأسطورية الخاصة بالأساطير السورية وأساطير بلاد الرافدين. فاسم آدم لنفسه ليس إلا كلمة أوغاريتية تعني البشر أو الإنسان. كما يروي الكثير من أساطير الخلق السومرية والبابلية عن زوجين بدئيين تم خلقهما من طين. وفي أسطورة آدابا البابلية عدد من العناصر الأساسية لقصة آدم. فآدابا، والاسم هنا شديد الشبه باسم آدم، هو الإنسان الأول الذي خسر الخلود بسبب غلطة ارتكبها. ورغم أن هذه الغلطة ترجع إلى نوع من سوء التفاهم، وسوء نية الإله «إيا» الذي خلقه، فهي في نتائجها تتلاقى مع نتائج خطيئة آدم، فكلاهما خسر الحياة الأبدية وجلب الموت على ذريته.

فإذا أتينا إلى ملحمة جلجامش وجدنا في إنكيدو صورة عن الإنسان الأول الذي تم خلقه من طين، وعاش في الطبيعة حياة حرة طليقة قبل أن يلتقي بالمرأة الني نقلته، بعد الفعل الجنسي، من حياة البداءة والحرية الحيوانية المفرغة من المضمون، إلى حياة الجماعة والحرية ذات المضمون. ووجدنا في آدم الأول تكراراً لإنكيدو. فآدم قد خلق من طين وعاش في الطبيعة يأكل من حيث شاء رغداً إلى أن جاءت حواء وأطعمته من ثمرة الجنس المحرم، وخرجت به من عالم حرية الطبيعة إلى الحرية الإنسانية ذات الهدف والمضمون، فشكلا وأولادهما الجماعة البشرية الأولى التي تعمل وتكد وتلاقي الموت من أجل استمرار الحضارة التي ابتدأت معهما. وتشكل العلاقة مع المرأة في كلا القصتين، نوعاً من طقس العبور، أو الطقس الإدخالي Initiation الذي نقلهما من السذاجة الأولى إلى المعرفة. ففي سفر التكوين يغدو آدم وحواء عارفين بالخير والشر، و «تنفتح أعينهما» عقب المباشرة الجنسية. ثم يخرجان من جنة عدن، عالم الطبيعة الحيوانية، إلى الأرض عالم الطبيعة الإنسانية ليعملا ويكدا مبتدئين الفعل الحضاري الخلاق الأول، في دنيا الاختيار والحرية الإنسانية ذات المضمون والغاية. وكذلك الأمر في ملحمة جلجامش حيث:

تعثر إنكيدو في جريه، صار غير الذي كان

لكنه غدا عارفاً، واسع الفهم

ثم تقوده المرأة إلى مساكن الرعاة حيث يبدأ بممارسة حريته الملتزمة، فيحرس قطعان الماشية ويطارد الأسود ليكفي الرعاة شرها، وبعدها ينتقل إلى حياة المدينة حيث يقود مع جلجامش حملته الكبرى ضد رمز الشر.

وكما كانت الحية مسؤولة، في ملحمة جلجامش، عن خسارته للنبتة التي تجدد الشباب، كذلك كانت في قصة آدم وحواء التوراتية، مسؤولة عن خسارتهما للحياة الخالدة في جنة عدن.

وجنة عدن التي أعدت للخالدين، في التصور التوراتي هي المكان الذي تصدر منه الأنهار: «وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس»- التكوين 2: 8-14. وكذلك الأمر في المكان الذي أسكنت فيه الآلهة أوتنابشتيم وزوجته الخالدين، إذ تصفه الملحمة في أكثر من موضع بأنه يقع حيث فم الأنهار.

جلجامش وشمشون:

يحدثنا سفر القضاة في الإصحاحات 14 و15 و16 عن بطل اسمه شمشون، أرسله الرب لتخليص بني إسرائيل من اضطهاد الفلسطينيين لهم. تلده أمه العاقر إثر معجزة من الرب، ويُظهر شمشون منذ يفاعته قوى خارقة زودته بها العناية الإلهية لأجل إتمام مهمته التي نذر لها. فكان يقتل الأسود بيديه العاريتين، ويصرع المئات من جنود الأعداء في كل انقضاض له عليهم. وعندما تسلم القضاء في إسرائيل، بدأ حرباً على الفلسطينيين من دون جنود ولا معدات، فكان يقاتل وحيداً على طريقة حرب العصابات مستخدماً قوته وحيلته. وفي النهاية تمكن منه أعداؤه بواسطة امرأة اسمها دليلة كان يتردد على بيتها ويعاشرها، فعرفت المرأة سر قوته ومكمن ضعفه وأسلمته إلى الفلسطينيين.

على الرغم من ضعف الصلة بين عناصر هذه القصة وعناصر ملحمة جلجامش، إلا أنه من الواضح أن محرري التوراة، قد استلهموا في رسم قصتهم عن شمشون بعض العناصر الشائعة في التقاليد المحلية، والمتسلسلة من ملحمة جلجامش التي كانت معروفة في فلسطين على ما تدل عليه كسرة لوح فخاري تحتوي على جزء صغير من ملحمة جلجامش، عُثِرَ عليها في موقع مدينة مجدو القديمة، وترجع هذه الكسرة بتاريخها إلى القرن الرابع عشر ق.م. وفيما يتعلق بالاسم شمشون، فيبدو أنه مستمد من تقاليد مصرية حول جلجامش الذي عرف في مصر بالاسم «شون» أو «شوم».

قصة الطوفان:

هناك شبه كبير بين قصة الطوفان التي يرويها أوتنابشتيم لجلجامش، وقصة الطوفان في التوراة الواردة في سفر التكوين الإصحاحات (6و7و8). ففي كلتا القصتين هنالك قرار إلهي بتدمير الأرض بطوفان عظيم؛ يلي ذلك اختيار رجل صالح لإنقاذ بذرة الحياة على الأرض، عن طريق بناء سفينة عملاقة يحمل فيها أهله ومن الحيوانات اثنين اثنين، ذكراً وأنثى. ولكن الإله التوراتي يهوه يلعب منفرداً، في القصة التوراتية، الأدوار المختلفة للآلهة البابلية. ففي طوفان جلجامش نجد أن مجمع الآلهة يتخذ قرار الطوفان، والإله إنليل يرسل الطوفان ويدمر الحياة على الأرض، والإله إيا هو الذي يأمر ببناء السفينة وإنقاذ بذرة الحياة. أما في الطوفان التوراتي فإن الإله يهوه هو يتخذ قرار الطوفان، وهو الذي ينفذه، وهو الذي يأمر ببناء سفينة.

جلجامش وثيسيوس:

نلمح في شخصية ثيسيوس، في الأسطورة الإغريقية، سمات واضحة من شخصية جلجامش. فهو ابن ملك أثينا، وكانت أمه قبل إنجابه عشيقة لبوسيدون إله البحر. وعن طريق بوسيدون، تسلل إليه بعض الدم الإلهي. نشأ متفوقاً على جميع الرجال في قوته الجسدية وأنجز أعمالاً بطولية خارقة أهمها قتل ثور الميناتور الكريتي، الذي كانت أثينا ترسل إليه في كل عام دية مؤلفة من زهرة شبابها ليلتهمهم (قارن مع قصة ثور السماء في الملحمة). ثم هبط مع صديقه المخلص بيريتوس (الذي كان يلازمه كملازمة إنكيدو لجلجامش) إلى العالم الأسفل لاختطاف يبرسفوني زوجة هاديس إله عالم الموتى، ولكن العالم الأسفل أمسك بالثاني كما أمسك بإنكيدو، واستطاع ثيسيوس تخليص نفسه والصعود تاركاً صديقه في الظلام الأبدي. وقد حكم ثيسيوس أثينا كملك بعد وفاة أبيه.

جلجامش وأخيل:

كان أخيل الشخصية المركزية في إلياذة هوميروس المعروفة. أنجبته إلهة مائية ثانوية اسمها «ثيتيس» من زوجها «بيليوس» ملك صقلية، فكان مزيجاً من إله وبشر (قارن مع الإلهة الثانوية ننسون أم جلجامش، ومزيجه الإلهي). حاولت أمه أن تهبه نعمة الخلود فغمسته في ماء نهر «ستيكس» الإلهي الذي يذهب بالجزء الفاني من الجسد ويبقي على الجوهر الخالد، فغمره الماء إلا كاحله الذي كانت تمسك به، وبذلك بقيت في جسده نقطة ضعف إنساني يتسلل منه البلى إليه (قارن مع سعي جلجامش إلى الخلود). ولما تدرج نحو الفتوة عهد به أبوه إلى الصنتور الحكيم «كيرون» الذي رباه وعلَّمه. كان كيرون يطعمه أحشاء الأسود ومخ عظام الدببة الهائلة لتقوية جسده، ويعلمه الكتابة ومختلف أنواع العلوم والحكمة. فشب قوياً في جسمه وعقله (قارن مع قوة جلجامش وحكمته). شارك أخيل في حروب طروادة وكان أعظم أبطالها، واشتهرت صداقته الحميمة لبطل آخر من أبطال الإلياذة اسمه «باتروكليس» وتناقلت الأخبار قصة الحب الكبير الذي نشأ بينهما. وكان مصرع باتروكليس على يد الطرواديين السبب في عودة أخيل إلى القتال بعد أن اعتزله مدة طويلة لخلاف مع «أغاممنون» (قارن مع علاقة جلجامش وإنكيدو). وعندما تأخر أخيل في دفن صديقه بسبب إطالة مراسيم الدفن وطقوس الحزن، ظهر له شبح باتروكليس من العالم الأسفل وكلمه (قارن مع تأخر جلجامش في دفن إنكيدو وطقوس الحداد التي أقامها، وظهور شبح إنكيدو من العالم الأسفل).

وفي نهاية ملحمة هوميروس يموت أخيل بسهم سدده إليه «باريس»، إذ يصيب السهم كاحل أخيل في نقطته البشرية الضعيفة (قارن مع فشل جلجامش في الحصول على الخلود، وقبول طبيعته البشرية).

جلجامش وهرقل:

يقدم لنا «هرقل» في الأسطورة الإغريقية، مثالاً أوضح للمقارنة مع جلجامش. ولد هرقل في أسرة ملكية، فهو رسمياً ابن اليكتريون ملك ميسينا، ولكن أباه الحقيقي كان الإله زيوس نفسه، الذي نام مع زوجة اليكتريون بعد أن ظهر لها في هيئة زوجها الذي كان غائباً عنها في إحدى غزواته. وقد أمر زيوس الشمس أن تبطئ في ظهورها اليومي، كما أمر القمر أن يسير الهوينى في كبد السماء، وبذلك قضى زيوس مع زوجة اليكتريون ليلة تعادل ثلاثة ليال من ليالي البشر، كانت نتيجتها حمل الملكة بهرقل.

ومنذ الشهور الأولى لولادة هرقل، ظهرت عليه إمارات التفوق الجسدي الخارق. قتل وهو في المهد ثعبانين هائلين تسللا لإيذائه. وقبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره، كان واضحاً للجميع أنه أقوى الرجال على وجه البسيطة، وإنه في كمال جسده وصلابة عوده أقرب إلى الآلهة منه إلى البشر. كان مضطرب الفؤاد دائب الحركة ليل نهار، ينوء بفيض الطاقة التي تتفجر في داخله، فكان خطراً مدمراً يقتل في ثورة غضبه، ثم يشعر بالندم العميق (قارن مع قمع جلجامش لأوروك). قتل في مطلع شبابه أسداً هائلاً بيديه العاريتين وارتدى جلده لباساً ورأسه خوذة، ومنذ ذلك الوقت صار هذا الزي لباسه الدائم، وصار قتل الحيوانات الضارية لهواً له وتسلية (قارن مع لباس جلجامش خلال رحلته إلى أوتنابشتيم وقتله الأسود في الليالي المقمرة). كان مولعاً بالرياضة وإليه يعزو اليونانيون إقامة الألعاب الأولمبية (قارن مع ولع جلجامش بالمصارعة مع شباب أوروك، والألعاب الرياضية التي استمر البابليون في إقامتها على شرفه بعد وفاته). وكان ذا طاقة جنسية فياضة، إذ يحكى أنه نام في ليلة واحدة مع خمسين امرأة. (قارن مع جلجامش الذي لم يترك بكراً لأمها). وهو إلى جانب ذلك قد تضلع بالعلوم والآداب والموسيقى والفنون (قارن مع حكمة جلجامش ومعرفته العميقة).

ولكن شطر هرقل الإلهي كان برماً بشطره البشري، يرنو إلى الخلود في مرتع الآلهة. وقد رغبت الآلهة بمنحه الخلود شريطة أن ينجز اثني عشر عملاً خارقاً (قارن مع أعمال جلجامش التي حكتها الملحمة في اثني عشر لوحاً، وسعيه إلى الخلود). فتصدى للمهمات شبه المستحيلة وحققها جميعاً، وأهمها: قتل أسد نيميا الذي لا يجرحه سلاح، وقتل التنين هيدرا ذي الرؤوس السبعة (قارن مع قتل جلجامش وحش الغابة). القبض على الثور الإلهي المتوحش وهو الثور الذي أهداه الإله بوسيدون إلى ملك كريت (قارن مع ثور السماء الإلهي). الهبوط إلى العالم الأسفل وإحضار حارس بوابات الجحيم ذي الرؤوس الثلاثة، وكان هذا العمل هو العمل الثاني عشر (قارن مع هبوط إنكيدو إلى العالم الأسفل في اللوح الثاني عشر من الملحمة). عند ذلك انقضت صاعقة من السماء على هرقل وأحرقت جسده الفاني، تلتها غيمة حملت جزءه الإلهي إلى عربة أبيه زيوس فانطلقت به إلى قمم الأوليمب مرتع الآلهة الخالدين.

ولعل اسم هرقل نفسه Hercules، قد يكون في أصله مركباً من كلمتين هما Herk المحورة عن إيريك أو أوروك مدينة جلجامش و Lies التي تعني في اليونانية أسد. وبجمع الكلمتين يكون لدينا «أسد أوروك» وهو جلجامش.

ومع ذلك فإن الفرق يبقى شاسعاً والبون بعيداً بين البطلين. فقصة هرقل من بدايتها إلى نهايتها قصة إله، رغم نشأته الإنسانية وجزئه البشري. كان يتحرك كإله، ويفعل كإله، بل لقد قام بأعمال يعجز عنها بعض الآلهة. رضع في صغره من صدر الإلهة هيرا ملء فمه لبناً، فشعرت بالألم لقوة الامتصاص، وانتزعت ثديها من فمه، فانبثق لبن صدرها نحو السماء مشكلاً درب المجرة المعروف إلى يومنا هذا بالدرب اللبني. وفي إحدى مغامراته مر بالإله أطلس الذي يحمل الأرض على كتفيه فطلب منه هذا إراحته من حمله بعض الوقت ففعل. أما جلجامش فكان بشراً منذ البداية، وبشراً في النهاية. لم يحمل في قلبه وعقله سوى أمل الإنسان، ولم يثبت سوى حقيقته وجوهره، ولم يشر إلا إلى مستقبله كوعي يستوعب الكون، ويتوق للاتحاد بالوعي الكلي الأعظم الذي عنه قد نشأ.

جلجامش وذو القرنين:

ذو القرنين شخصية أسطورية في الموروث الشعبي الإسلامي، تناولتها أقلام الإخباريين العرب اعتماداً على القصص المتداولة التي تضرب بجذورها عميقاً في التاريخ السحيق لثقافة المنطقة المشرقية. وتقدم لنا هذه المادة الإخبارية الغزيرة ما يكفي لإعادة بناء قصته وفق الملخص التالي:

كان ذو القرنين ملكاً بعد النمرود. وقد لقب بذي القرنين لبلوغه مشرق الأرض ومغربها. وقيل في ذلك أيضاً لأنه كان يضع على رأسه تاجاً ذا قرنين، أو أنه كانت له ضفيرتان من الشعر، والضفيرة من الشعر تسمى قرناً. وكان ذو القرنين ملكاً جباراً، طغى وبغى وتجبر على الرعية في بداية عهده بالملك، إلى أن قيض الله له قريناً صالحاً دفعه إلى التوبة، فأطاع الله وأصلح سيرته. وكان أول أمره أنْ بنى مسجداً واسعاً طوله أربعمائة ذراع وعرض الحائط اثنان وعشرون ذراعاً وارتفاعه في الهواء مائة ذراع، ثم خرج وقاتل الملوك الجبابرة وقهرهم ودعا الناس إلى طاعة الله وتوحيده. وقد وصل في تطوافه بالأرض مغرب الشمس ومشرقها وما بينهما عرض الأرض كله. ولما اشتكى ذو القرنين إلى ربه الضعف الإنساني وقلة الحيلة قال له الله تعالى: سأطوقك ما حملتك، وأسرح لك سمعك وبصرك، وأشرح له فهمك، وأبسط لك لسانك، وأحصي لك قوتك، وأشد لك قلبك، وأسخر لك النور والظلمة.

وجد ذو القرنين في الكتب خبراً عن عين ماء إذا شرب منها الإنسان يخلد. فجمع علماء زمانه وسألهم عن موضع العين وأعد العدة للذهاب، فنصحه الناس ألاَّ يذهب لأن ذلك سيكون سبب هلاكه، ولكنه صمم على المضي فيما انتوي. خرج ذو القرنين في جماعة من جنده جعل على رأسها الخضر عليه السلام، وسار حتى وصل مغرب الشمس فسأل عن العين فقيل له: هي خلف أرض الظلمة. فاختار من عسكره ستة آلاف ودخل معهم إلى الظلمة فساروا يوماً وليلة. فأصاب الخضر عين الحياة لأنه كان على مقدمة الجيش، فشرب منها واغتسل ونال الخلود، أما ذو القرنين فأخطأها، وآل سعيه إلى الفشل. وقد عرف عن ذي القرنين حبه للبناء والعمران، فكان يشيد المدائن ويبنى السدود. وقد نسب إليه بناء مدن كثيرة، وذلك السد الكبير الذي يحجب شعب يأجوج ومأجوج عن أراضي السكان الآمنين ويمنع تعدياته عليهم.

نلاحظ في قصة ذي القرنين عدداً من العناصر المشتركة مع قصة جلجامش وهي: 1- الاستبداد في الحكم ثم الهداية على يد صديق وفي. 2- إسباغ العناية الإلهية على الملك خصائص عقلية وجسدية متفوقة وبلوغه من الحكمة ما لم يبلغه أحد. 3- وصوله مشرق الأرض ومغربها. 4- سعيه من أجل الخلود وطلبه عين الحياة التي تقع في نهاية الكون المعروف. 5- فشله في تحقيق الخلود. 6- اشتهاره بالبناء والعمران. وبالطبع فإن هذه العناصر المشتركة بين القصتين لم تنتقل عبر احتكاك مباشرة بين الثقافتين الرافدية والعربية، بل عبر سلسلة طويلة من التداول الشفهي للمرويات الشعبية التي تمتح من أصول مغرقة في القدم.