مدونة فراس السّواح

المدارس والكتبة في ثقافة الشرق القديم

بقلم فراس السوّاح

في سياق النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، وصل نظام التعليم والمدارس في سومر مرحلة النضج؛ فمن هذه المرحلة وصلتنا عشرات ألوف الرقم الطينية المنقوشة بالمسمارية، ومعظمها عبارة عن نصوص إدارية تغطي كل جانب من جوانب الحياة الاقتصادية للبلاد. ومنها نعرف أن عدد الكتبة كان يُعد بالآلاف، بينهم الكتبة المعلمون، والكتبة المساعدون، وكتبة للقصر الملكي، وآخرون للمعبد، وكتبة متخصصون في نشاطات إدارية معينة؛ وهنالك كتبة تحولوا فيما بعد إلى شخصيات بارزة تشغل مناصب عالية في الدولة.

المدارس والكتبة في سومر:

لقد تمثل الإنجاز الأكثر أهمية للثقافة السومرية في نظام متطور للكتابة ونظام رسمي للتعليم. ولعل من غير المبالغ فيه أن نقول مع عالم السومريات صموئيل كريمر، بأنه لولا منجزات أولئك العلماء والأساتذة السومريين الذين عاشوا في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، لما كانت المنجزات الفكرية والعلمية للحضارة الحديثة قد تحققت.

ويبدو أن ابتكار الكتابة ونظام التعليم قد سارا منذ البداية جنباً إلى جنب؛ يدلنا على ذلك أن من بين أولى الرُقُم السومرية التي وصلتنا من نحو عام 300 ق.م، وهي من موقع مدينة أوروك، هنالك رُقم تحتوي على قوائم بكلمات معدة للدراسة والتدريب على الكتابة. بعد ذلك تأتي الشواهد من أواسط الألف الثالث قبل الميلاد لتدلنا على انتشار التعليم وظهور المدارس. فقد تم العثور في موقع شوروباك القديمة على عدد من «الكراريس» المدرسية تعود بتاريخها إلى نحو عام 2500 ق.م، وهي تحتوي على قوائم بأسماء آلهة وحيوانات وأدوات، وعدد متنوع من الكلمات والجمل، معدة لأجل الحفظ والتدريب على الكتابة.

في سياق النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، وصل نظام التعليم والمدارس في سومر مرحلة النضج؛ فمن هذه المرحلة وصلتنا عشرات ألوف الرقم الطينية المنقوشة بالمسمارية، ومعظمها عبارة عن نصوص إدارية تغطي كل جانب من جوانب الحياة الاقتصادية للبلاد. ومنها نعرف أن عدد الكتبة كان يُعد بالآلاف، بينهم الكتبة المعلمون، والكتبة المساعدون، وكتبة للقصر الملكي، وآخرون للمعبد، وكتبة متخصصون في نشاطات إدارية معينة؛ وهنالك كتبة تحولوا فيما بعد إلى شخصيات بارزة تشغل مناصب عالية في الدولة.

ولكن المعلومات المباشرة عن نظام المدارس وإدارتها، ومناهج التعليم فيها، لا تأتينا إلا من النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد. فمن هذه الفترة جاءتنا مئات الألواح التي كان التلاميذ يخطون عليها تدريباتهم على الكتابة، كجزء من نشاطهم المدرسي اليومي، وهي تتراوح بين خربشات الطلاب المبتدئين والخط الأنيق الواضح للطلبة المتقدمين الذين شارفوا على التخرج. من هذه الألواح ومن نصوص تركها لنا بعض الأساتذة عن حياة المدرسة، نستطيع تكوين فكرة عامة عن نظام التعليم في أول المدارس في تاريخ الحضارة الإنسانية.

دعا السومريون مدرستهم إيدوبا، أي بيت الألواح. وكان هدفها الرئيسي مهنياً حرفياً، فهي تُعنى بتدريب وتخريج الكتبة المحترفين الذين يسدون حاجة البلاد، ولا سيما القصر الملكي والمعبد. ولكن في سياق نمو وتطور هذه المؤسسة واتساع مناهجها، تحولت تدريجياً إلى مراكز للعلم في سومر، عملتْ على صنع علماء باحثين امتصوا كل معارف ذلك العصر من لاهوت وزراعة وحيوان وجغرافية ورياضيات ولغويات، كما أن بعضهم ساهم في تطوير هذه المعارف وأضاف عليها. وضمن جدران هذه المؤسسة تطورت الكتابة الإبداعية، حيث جرى دراسة الإبداعات الأدبية القديمة ونسخها، مثلما جرى أيضاً خلق إبداعات جديدة. وإذا كان قسم من المتخرجين قد توجه إلى الحياة العامة للعمل في خدمة القصر والمعبد والشخصيات الغنية والمتنفذة، فإن قسماً آخر منهم قد كرس نفسه للعلم والتعليم، ووجد الوقت الكافي للكتابة والبحث. ويبدو أن المدرسة السومرية قد تحولت خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد من مؤسسة تابعة للمعبد إلى مؤسسة مدنية، وأن رواتب أساتذتها وطاقمها الإداري كانت تأتي من الأقساط التي كان يدفعها أهل التلاميذ.

مثل هذا التعليم لم يكن شاملاً كما هو حال التعليم اليوم، ولم يكن يقصد مدارس الكتبة إلا بعض أولاد الميسورين القادرين على دفع تكاليفها الباهظة التي يتوجب دفعها لسنوات عديدة. كان المشرف الأعلى على المدرسة يدعى «أُميّا» وهي كلمة سومرية تعني «العلاَّمة» أو «البروفيسور»، وكان يلقب بأبي المدرسة؛ وكان كل من الأساتذة المساعدين له يلقب بالأخ الأكبر، أما التلاميذ فهم الأبناء. وإلى جانب هؤلاء هنالك طاقم إداري يعمل على تسيير شؤون المدرسة، بينهم مراقب الدوام، والمشرف على الانضباط، والبواب، وغيرهم.

وبخصوص المناهج وطرائق التدريس، فقد جاءتنا معلومات من المدارس نفسها، وذلك من خلال اطلاعنا على «كراريس» الأساتذة، والأعمال التي خطها التلاميذ أنفسهم. فلقد ابتكر الأساتذة السومريون نظاماً للتدريس يقوم على تصنيف اللغة في قوائم من الكلمات والجمل ذات الصلة ببعضها، وجعل الطالب يستظهرها ويعمل على نسخها حتى يتوصل إلى إتقان كتابتها بسهولة. فهنالك قوائم بأسماء النباتات وأخرى بأسماء الحيوانات بما فيها الطيور والحشرات، وأخرى بأسماء المدن والدول…إلخ. كما عمل هؤلاء الأساتذة على وضع قوائم مختلفة بالموضوعات الرياضية والحسابية، وفيها مسائل رياضية مع حلولها المقترحة، وأخرى في المسائل اللغوية والنحوية. أي إن هذه المجموعات كانت تختصر معارف ذلك الوقت النباتية والحيوانية والجغرافية والتعدينية واللاهوتية، وغيرها. وعندما علا شأن الأكاديين الساميين في المنطقة، عمد أساتذة المدارس السومرية إلى وضع أولى القواميس في الثقافة الإنسانية، والتي احتوت على الكلمات السومرية ومقابلها الأكادي.

إلى جانب هذا المنهج الذي نستطيع وصفه بالمنهج العلمي- البحثي، فقد اعتمد الأساتذة منهجاً آخر نستطيع وصفه بالمنهج الأدبي الإبداعي، وهو يقوم على دراسة ونسخ النصوص الأدبية القديمة التي دُوّن معظمها خلال النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد بلغة شعرية راقية؛ وهي تدور حول موضوعات متنوعة مثل الملاحم والأساطير والمرثيات والحكم والأمثال، وتتفاوت في الطول بين الألف سطر والخمسين سطراً أو أقل. وهناك المئات من هذه النسخ التي أعدها تلاميذ في طور التدريب، على ما يدل عليه أسلوب كتابتها والأخطاء المرتكبة فيها.

ويبدو أن تدريب الطالب المبتدئ كان يُستهل بتدريبه على كتابة مقاطع صوتية أساسية بسيطة مثل: زا- با- بي- زي…إلخ؛ يلي ذلك يُعطى قائمة بكلمات تكتب بإشارة مسمارية واحدة (والإشارة المسمارية الواحدة تتألف من عدد من العلامات المسمارية المفردة) ليتعلم تهجئتها وكتابتها. وفي المرحلة الأكثر تقدماً يزوَّد بقوائم تحتوي على كلمات تُكتب بإشارتين أو أكثر. بعد ذلك يزود بقوائم تحتوي على آلاف الكلمات المصنفة وفق المجال الذي تنتمي إليه. وبعد أن يمتلك الطالب ناصية كتابة المفردات ينتقل إلى التدريب على نسخ الجمل ونسخ النصوص القصيرة. كل هذا يترافق مع تدريبات في الرياضيات والمساحة، وحل مسائل تتعلق بالأجور وحفر القنوات وأعمال البناء، وغيرها من المجالات الحيوية.

وكما رأينا منذ قليل، فإن الانضباط كان واحداً من هموم إدارة المدرسة السومرية. لا شك أن الأساتذة قد استخدموا أسلوب التشجيع والثناء على حسن السلوك والانضباط ومتابعة الدروس، إلا أن استخدام العصا للتأديب كان ممارسة شائعة في المدرسة التي لم تكن بالمكان الممتع أو المريح بالنسبة للطالب. لقد كان عليه أن يقصد المدرسة منذ الصباح الباكر، وألا يصل إليها متأخراً وإلا كانت العصا له بالمرصاد، ثم يقضي فيها كل نهاره حتى مغيب الشمس. وخلال هذا الوقت الطويل كان هنالك أكثر من سبب لنيله ضربة عصا من هذا الأستاذ وأخرى من ذلك المشرف. أما عن سنوات الدراسة فطويلة، تبدأ من سنوات الصغر وحتى سنوات الشباب، كما هو شأنها اليوم. فإذا استطاع الطالب عبور سنوات الدراسة بنجاح ووصل مرحلة التخرج على الرغم من صعوبة المناهج التعليمية وافتقارها للجاذبية، كان أمامه أكثر من فرصة للانخراط في الحياة العملية؛ فقد يلتحق في خدمة القصر الملكي، أو في خدمة المعبد، أو يصبح مديراً ومحاسباً لإحدى الإقطاعيات الكبيرة التي تملأ منطقة سومر، أو يبقى في مدرسته ليتابع البحث والتعليم فيها.

ننتقل الآن من عالم الهلال الخصيب الشرقي إلى عالم الهلال الخصيب الغربي لنعطي فكرة عن نظام التعليم والكتبة في كنعان، معتمدين بشكل رئيسي على وثائق مدينة أوغاريت، الموطن التقليدي للكتابة الأبجدية.

الكتبة والمدارس في أوغاريت:

يلف الغموض مسألة ابتكار الأبجدية المسمارية التي استخدمها الكتبة الأوغاريتيون بديلاً عن الكتابة المسمارية المقطعية التي كانت مستخدمة في بلاد الرافدين. فهذه الأبجدية المسمارية ليست الشكل الأبكر للكتابة الأبجدية رغم اقترابها كثيراً من استحقاق هذا الشرف؛ فلقد سبقتها الأبجدية الكنعانية التخطيطية التي لا تكتب بحروف مسمارية وإنما بحروف تخطيطية ترسم بشكل حر. وهذه الأبجدية التخطيطية نعرفها من عدد محدود من الوثائق، وذلك مثل نقش جبيل وما يُعرف بالنقوش السينيائية المبكرة التي عثر عليها في شبه جزيرة سيناء. وهذه الأبجدية التخطيطية تعود إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد، بينما لم تصبح الأبجدية المسمارية الأوغاريتية مستخدمة إلا في أواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

يُعزى ابتكار الأبجدية الأوغاريتية إلى الكتبة الأوغاريتيين الذين نعرف عنهم اليوم امتلاكهم دربة فائقة ومعرفة بعدد متنوع من الخطوط واللغات، بينها الحورية والحثية والسومرية والأكادية، يشهد على ذلك تلك النصوص التي عُثر عليها في الموقع مكتوبة بأربع لغات. ومن المحتمل جداً أنهم قد توصلوا إلى هذا الابتكار قبل عام 1400ق.م، على الرغم من أن النصوص التي وصلتنا ترجع إلى ما بعد هذا التاريخ. فلقد تمرس هؤلاء الكتبة بكتابة الخط المسماري المقطعي القديم، ثم تعرفوا على الأبجدية الكنعانية التخطيطية التي استعملت مجموعة من الإشارات الكتابية تمثل الحروف الساكنة وتتجاهل الحروف الصوتية، فقام هؤلاء بتبني هذه المبادئ في صياغتهم للأبجدية المسمارية. وابتكروا سبعة وعشرين إشارةً أو رمزاً مسمارياً تقابل الحروف الساكنة الرئيسية، ثم جرى بعد ذلك توسيعها لتغدو ثلاثين حرفاً بعد إدخال ثلاثة أشكال للحرف «ألف» منطوقاً بالفتح وبالضم وبالكسر: أَ، أُ، إِ

من الواضح أن الكتبة قد تمتعوا بمركز اجتماعي راقٍ في مملكة أوغاريت القديمة. فقد تلقوا تعليماً عالياً وواسعاً في اللغات والنُظُم الكتابية السائدة في ذلك الوقت، وتمرسوا في شتى العلوم التي كانت متاحة في عصرهم. بعض هؤلاء الكتبة كان مجرد موظف يدون ما يملى عليه من وثائق إدارية، أو يعمل على نسخ نصوص أدبية ودينية وطقسية قديمة متوارثة، ولكن بعضهم ولا شك قد وصل إلى مرحلة الإبداع وأنتج نصوصاً على غير نموذج سابق، أو عمل على تحرير نصوص قديمة وجمع بينها في تأليف جديد، ولكننا لسوء الحظ لا نستطيع في أوغاريت تبين النصوص المبتكرة من النصوص المنسوخة، لأن النصوص الأدبية كلها وصلتنا من عصر واحد هو عصر الملك نقمد الثالث الذي حكم في أواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ولا يوجد في حوزتنا نصوص دونت قبل هذه الفترة لكي نجري المقارنة معها. إن معظم النصوص الميثولوجية الرئيسية، على سبيل المثال، قد نُقشت بيد كاتب يدعى إيلي ميلكو، ولكننا لا نستطيع تقييم مقدار المساهمة الشخصية لهذا الكاتب فيما نسخه من نصوص، ولا نستطيع أن نقرر ما إذا كانت هذه النصوص منسوخة عن نصوص أقدم منها مكتوبة بخط آخر، أو أنها نتاج عمل تحريري، أو إبداعي محض.

لم يكشف في أوغاريت عن أبنية مخصصة كمدارس، ولم تصلنا نصوص تحكي عن حياة المدرسة شبيهة بالنصوص السومرية، ويبدو أن نشاط التدريس كان يتم في قاعات الأرشيف والمكتبات نفسها، ذلك أن معظم الوثائق ذات الطابع المدرسي قد وجدت في تلك القاعات. فقد عُثر في أرشيف القصر الملكي على عدة أقلام كانت تستخدم لحفر الإشارات الصوتية فوق الطين الطري؛ كما عُثر على تمرين مدرسي يحتوي على أربعة حروف في الأعلى تفصل بينها خطوط عمودية صغيرة، تليها كلمة مركبة من تلك الحروف، الأمر الذي يدل على أن المعلم كان يملي على تلامذته تلك الحروف ثم يتركهم ليؤلفوا منها كلمة كاملة.

ومن الواضح الآن أن رُقُم الأبجدية التي تحتوي على حروف الأبجدية الأوغاريتية معروضة بالترتيب نفسه، والتي وُجد منها حتى الآن اثني عشر رقيماً، كانت على ما يبدو رُقماً مدرسية موضوعة لكي يتعلم التلاميذ نسخها وإتقانها. بين هذه الرقم نسخ مكتوبة بخط جميل هي دون شك من صنع الأساتذة الذين أعدوها للتداول بين أيدي التلاميذ؛ وبينها رقم تتراوح في الجودة، الأمر الذي يدل على أنها تمارين مدرسية لطلاب يبذلون جهدهم في تعلم الإشارات؛ وهنالك رقيم لا يحمل إلا الأحرف الستة الأولى من الأبجدية، الأمر الذي يدل على أنه وظيفة لم يكملها صاحبها؛ وهنالك رقيم ابتدأ صاحبه بنسخ الأحد عشر حرفاً الأولى سبع مرات متتالية، ثم ازدادت ثقته بنفسه فاندفع ينسخ جميع الإشارات دفعة واحدة؛ وهنالك رقيم نجد في قسمه العلوي إشارات الأبجدية منسوخة بيد المعلم على سطرين، وتحتها محاولات التلميذ في تقليد إشارات أستاذه.

وقد كان الكتبة الأوغاريتيون مسؤولين عن الأرشيفات العديدة التي اكتشفت في مواقع متفرقة من المدينة. ففي القصر الملكي الكبير تم العثور على خمسة أرشيفات مختلفة، وهي تحتوي بشكل عام على نصوص ذات طبيعة اقتصادية وإدارية، مكتوبة بلغات وخطوط مختلفة، تم تخزينها كسجلات لدواعي الاستعمال الرسمي الروتيني. في أحد أجنحة هذا القصر عُثر على فرن كان يستخدم لشي الرقم الطينية بعد نقشها لتقسيتها بشكل يسمح بالاستعمال والتخزين. كما احتوى القصر الملكي الصغير الملاصق للقصر الكبير على أرشيف يتكون بشكل رئيسي من نصوص إدارية مكتوبة بالمسمارية البابلية.

أما النصوص الميثولوجية الرئيسية، فقد جاءتنا من مكتبتين كهنوتيتين هما مكتبة الكاهن الأعلى، ومكتبة الكاهن الساحر. فقد احتوت مكتبة الكاهن الأعلى، في منزله الخاص، على النصوص الميثولوجية والملحمية الكبرى، مثل سلسلة بعل وعناة، وملحمة أقهات، وملحمة دانئيل. إلى الجنوب قليلاً من مكتبة الكاهن الأعلى يقوم البيت الذي دعاه علماء الآثار ببيت الكاهن الساحر. لأنهم عثروا فيه على نماذج فخارية لرئات وأكباد حيوانات كانت تستخدم، كما هي الحال في أنحاء مختلفة من الشرق القديم، في تقنيات العرافة. كما عثروا فيه على مكتبة تضم رقماً نسخ عليها أجزاء من نصوص ميثولوجية.

كما تم العثور أيضاً على مكتبتين خاصتين، اكتُشفت الأولى في بيت واحد من علية القوم يدعى رابانو، احتوت على تشكيلة من النصوص وعلى نص معجمي رباعي اللغة يحتوي كلمات بالأوغاريتية والبابلية والسومرية والحورية بينها نصوص ذات طبيعة علمية مكتوبة بالأكادية، ونصوص ذات طبيعة طقسية سحرية، ورسائل دبلوماسية. أما المكتبة الثانية الخاصة فقد اكتشفت في منزل يقع إلى الجنوب من أكروبوليس المدينة، وهي تحتوي على تشكيلة من النصوص بينها كسرة رقيم عليها جزء من أسطورة الطوفان البابلية.

نص مصري:

لدينا نص مصري على غاية من الأهمية بالنسبة لموضوعنا، وهو عبارة عن رسالة موجهة من كاتب القصر الملكي المدعو أمين- رام- أوبيت إلى كاتب أنهى تدريبه ويستعد للسفر في مهمة إلى خارج مصر، يختبر فيها معلوماته الجغرافية التي حصّلها خلال فترة التدريب. ومنها نأخذ فكرة عن المعارف الجغرافية التي كان على الكاتب المتدرب تحصيلها، والتي تتسع لتشمل كل الدول المجاورة منها والبعيدة. ونظراً لطول الرسالة فإننا سوف نقتصر على إيراد المقاطع الخاصة بجغرافية بلاد الشام:

«أنت تقول إنك كاتب ماهر؛ فإذا كان هذا صحيحاً هلم إلى الاختبار. هذا حصان مسرج لأجلك، سريع كابن آوى، وكالزوبعة في انطلاقته. أنت لم تذهب بعد إلى بلاد حاتي، ولم ترَ أرض أوبة، ولا تعرف شيئاً عن خيديم، ولا عن طبيعة يجدي. كيف تبدو سميرا رمسيس؟ وإلى أي جهة منها تقع مدينة حلب، وكيف هو مجراها؟ أنت لم تذهب إلى قادش، ولا إلى توبيخي، ولم تذهب إلى أقاليم البدو مع نبّالة الجيش… دعني أخبرك عن مدينة أخرى هي جبيل، كيف هي وما هي آلهتها، فأنت أيضاً لا تعرفها. دعني أخبرك عن صيدون وبيروت وساربيتا، وأين يجري نهر الليطاني. كيف تبدو أوزو ومدينة أخرى في البحر اسمها صور الميناء، التي يُحمل إليها ماء الشرب بالقوارب، وفيها السمك أكثر عدداً من حبات الرمل».

يبدأ كاتب هذه الرسالة، في مقطعها الأول هذا، بوصف جغرافية بلاد الشام مبتدئاً من الشمال ثم ينحدر نحو الجنوب. فالرحلة المتخيلة تبدأ من بلاد الحثيين المدعوة حاتي، والمناطق السورية الشمالية الواقعة تحت سيطرتها والتي كان المصريون يطلقون عليها اسم حاتي أيضاً، ثم تتجه جنوباً نحو منطقة دمشق التي كانت جزءاً من مقاطعة أوبة وعاصمتها كوميدو (كامد اللوز حالياً) في البقاع الجنوبي. بعد ذلك تنعطف الرحلة غرباً نحو الساحل الفينيقي وتحط عند مدينة سميرا عاصمة مملكة آمورو في منطقة طرطوس الحالية. وهنا يطرح كاتب الرسالة سؤالاً على الموظف المتدرب للإجابة عليه؛ فمن أين يتجه المسافر من سيميرا إلى حلب، وأي طريق يأخذ؟ من سيميرا تتابع الرحلة مسيرتها بمحاذاة الساحل، فتصل إلى جبيل الميناء الكنعاني الرئيسي، ومنها جنوباً إلى بيروت ثم ساربيتا المدينة الفينيقية المهمة التي تم اكتشافها مؤخراً بين صيدا وصور. أما عن مدينة صور فيقدم النص وصفاً دقيقاً لموقعها، فهي تتألف من قسمين، قسم يقع على جزيرة تبعد مسافة ميلين عن البر اسمها صور، وقسم بري يقع على الشاطئ المقابل اسمه أوزو. ومن المعروف تاريخياً أن هذه المدينة بقيت موزعة بين البر والبحر حتى أيام الإسكندر المقدوني الذي ردم الممر البحري الضحل بينهما. بعد ذلك تتابع الرحلة مسيرتها باتجاه شواطئ فلسطين، ثم تنعطف باتجاه الداخل الفلسطيني:

«… تعال ضعنا على الطريق جنوباً نحو إقليم عكا؛ إلى أين ينتهي الطريق الآتي من أكشف، إلى أي مدينة؟ أخبرني عن جبل أوزير، كيف تبدو قمته؟ وعن جبل شكيم. من أين يبدأ الكاتب رحلته إلى حاصور، وكيف هو مجراها؟ ضعني على الطريق إلى حمث ودجر ودجر إيل. تعال دعني أخبرك عن مدن تقع فوقها… أخبرني عن رحوب وبيت شان وترقا إيل، عن نهر الأردن وكيفية عبوره، وكيف الوصول إلى مجدو».

في المقطع أعلاه، تجتاز الرحلة المتخيلة رأس الناقورة نحو عكا ثم تتجه شرقاً نحو الأراضي الداخلية لفلسطين فتجتاز أكشف، التي يُعتقد أنها تل كيسان في وادي عكا جنوب الجليل، وتصل إلى شكيم قرب نابلس الحديثة. وهنا يتساءل الكاتب عن الطريق من شكيم إلى حاصور في الجليل الأعلى، والتي تم اكتشافها حديثاً في تل حسي. من شكيم يتجه خط الرحلة شمالاً إلى رحوب، وهي تل الصارم على بعد ثلاثة أميال جنوب بيت شان، ثم بيت شان نفسها القريبة من نهر الأردن وهنا يتساءل الكاتب عن طريقة عبور النهر، ويتساءل عن الطريق من بيت شان إلى مجدو الواقعة إلى الشرق منها باتجاه البحر. وفي نهاية الرحلة يتم الوصول إلى قرب الحدود المصرية:

«أيه أيها الكاتب، أين كل تلك المدن؟ ورفح كيف تبدو أسوارها؟ وما المسافة بينها وبين غزة؟».

 

 

 

 

المراجع:

1- S. N. Kramer, From the tablets of Sumer, Falcon Wing Press, Colorado, 1956.

2- S.N. Kramer, The Sumerians, The University of Chicago Press, Chicago, 1963, Chapter 6.

3- Peter C. Craigie, Ugarit and the Old Testament, Erdmans, Michigan, 1983.

4- جبرائيل سعادة: أبحاث أثرية وتاريخية- فصل التعليم في أوغاريت.

5- من أجل نص الكاتب المصري راجع:

– John A. Wilson, Egyptian Letters, in: James Pritchard, Ancient Near Eastern Texts, New Jersey, P. 476.