مدونة فراس السّواح

أين اختفى الحواريون ؟ ولغز التلميذ الذي أحبه يسوع

بقلم فراس السوّاح

لم يتمتع الحواريون بشخصيات واضحة في سيرة يسوع كما رَوتها الأناجيل الأربعة، وفيما عدا بطرس الذي نجده يحاور يسوع مرارا عديدة ، وتلقى منه الثناء عندما وصفه بأنه الصخرة التي ستقوم عليها الكنيسة ،)متّى 6: 18 – 20 ) فإن بقية الحواريون يبدون أشبه بالكومبارس في مسرحية فخمة

لم يتمتع الحواريون بشخصيات واضحة في سيرة يسوع كما رَوتها الأناجيل الأربعة، وفيما عدا بطرس الذي نجده يحاور يسوع مرارا عديدة ، وتلقى منه الثناء عندما وصفه بأنه الصخرة التي ستقوم عليها الكنيسة ،)متّى 6: 18 – 20 ) فإن بقية الحواريون يبدون أشبه بالكومبارس في مسرحية فخمة، ويختفي معظمهم من السيرة بعد ورود اسمه إما في قصة  دعوة التلاميذ الأوائل أو في قائمة الرسل الاثني عشر . ولعلّ رصد عدد المرات التي ظهر فيها اسم كل منهم يؤكد لنا هذا الاستنتاج ، على ما نوضحه في القائمة التالية التي تبيّن عدد الظهورات ، والغائبين بعد الظهور الاول.

         الاسم                                                   عدد مرات الظهور

                                                    في الأناجيل الثلاثة            في انجيل يوحنا

١-  بطرس                                            25                                 6

2- أندراوس                                            2                                  2

3- 4- يعقوب ويوحنا                                 9                                  1( ابنا زبدي)

5- متّى ( لاوي ، لاوي بن حلفي )                 غائب                           غائب

6- فيلبُس                                                غائب                           غائب

7- برتلماوس                                          غائب                            غائب

8- توما                                                 غائب                            4

9- يعقوب بن حلفي                                  غائب                           غائب

10- تداوس ( لباوس ،يهوذا بن يعقوب )         غائب                           غائب

11- سمعان الغيور ( القانوي )                   غائب                           غائب

12- يهوذا الاسخريوطي                             1                                 2

تلاميذ مذكورون عند يوحنا فقط :

13- نثنائيل                                          غائب                               1

14- التلميذ الحبيب                               غائب                                7

    تدلنا هذه القائمة على أن سبعة من أصل اثني عشر حوارياً لدى الأناجيل الثلاثة المتشابهة ، قد غابوا عن بقية أحداث الانجيل بعد ظهورهم الأول ، وعلى الرغم من أن عدد المرات التي ورد فيها ذكر بطرس والأخوين يعقوب ويوحنا (ابنا زبدي ) في هذه الأناجيل ، يوحي بأنهم كانوا الاقرب الى يسوع وأنهم لعبوا دوراً مميزاً في الاحداث ، إلا أن تقلص دورهم في انجيل يوحنا من شأنه أن يعدل هذه الفكرة المبدئية . كل هذا يوصلنا الى حقيقة مفادها أن مؤلفي الأناجيل لم تصلهم إلا أخبار شحيحة وغامضة عن تلاميذ يسوع ، وكان عليهم أن يجدوا دوراً لهم في أخبار يسوع فحشروا اسمائهم في مناسبات لم يكن لهم فيها دور.

   ويتفاقم لغز اختفاء الرسل عندما ننتقل الى سفر ” اعمال الرسل ” المخصص لأخبار تلاميذ يسوع بعد وفاته ، ونشاطهم البشيري . فقد اجتمع في  الاصحاح الأول من هذا السفر تلاميذ يسوع وعددهم مئة وعشرون لانتخاب واحداً منهم يحل محل يهوذا الاسخريوطي الذي انتحر بعد صلب يسوع ، ووقعت القرعة على شخص يدعى متياس لانعرف عنه سوى اسمه . ثم يورد لنا كاتب السفر ( وهو لوقا مؤلف الانجيل الثالث) قائمة بأسماء الرسل تتفق مع قائمته في الانجيل الثالث مع تعديل في مواقع الاسماء ، وهم : بطرس و يوحنا و يعقوب و اندراوس و فيلبُس و توما و برتلماوس و متّى و يعقوب بن حلفي و سمعان الغيوّر و يهوذا بن يعقوب و متياس . لكن ثمانية من هؤلاء يختفون فيما تبقى من أحداث أعمال الرسل ويبقى منهم اربعة هم : بطرس و يعقوب و يوحنا (ابنا زبدي ) وفيلبُس . وبعد أن حكم هيرود أغربيا ( الذي عينه الرومان حاكماً على اليهودية ) على يعقوب بن زبدي بالموت ، لم يبق على مسرح الأحداث سوى بطرس و يوحنا و فيلبُس الذين كانوا أعمدة كنيسة أورشليم . ثم انضم الى هؤلاء تلميذ لم يرد اسمه في سيرة يسوع يدعوه النص بيعقوب أخي الرب ، أي أخو يسوع ؛ وقد ورد اسم يعقوب هذا بين اخوة يسوع عند كل من مرقس ومتّى وهم يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان ، إضافة الى اخوات لم يذكرن بالعدد ولا بالاسم ( مرقس 6 : 3 و متّى 13 : 55 ) .

    ومع اختفاء القسم الأعظم من رسل يسوع يظهر في سفر أعمال الرسل تلاميذ جُدد لم يرد يسوع خلال حياته، لعبوا أدواراً رسولية مهمة  داخل كنيسة أورشليم وخارجها ، من هؤلاء  رجل قبرصي يدعى برنابا ، وآخر يدعى اسطفانوس الذي حكم عليه المجمع اليهودي بالرجم حتى الموت، ومنهم مرقس صاحب الانجيل ، وتيموتاس وسيلا . ولكن الأهم بين هؤلاء كان بولس واسمه العبري شاؤل اما الاسم بولس فهو الاسم اليوناني، لأنه من أسرة يهودية في طرسوس بكيليكيا حازت على المواطنة الرومانية ، وأمثال هؤلاء كانوا يدعون باليهود اليونانين . وقد جاء بولس في شبابه الى أورشليم ودرس الدين على يد واحد من أهم اللاهوتيين ، ثم  التحق بحرس الهيكل الذي كان يطارد المسيحين ويعتقل الناشطين بينهم ، ثم تحول الى المسيحية عندما ظهر له يسوع وكلّمه ، وصار أهم داعية للمسيح في المناطق الشرقية من الامبراطورية الرومانية فيما بين سورية والعاصمة روما ، الى أن استشهد في روما أيام الامبراطور نيرون عام 57 م ، وترك وراءه 14 رسالة قام عليها اللاهوت المسيحي اللاحق. وقد شغلت أخباره الجزء الأعظم من سفر أعمال الرسل .

    حواري واحد نجا من الاختفاء وعاش حتى سن متقدمة ، فأملى ذكرياته على مؤلف انجيل يوحنا على الرغم من أن الأناجيل المتشابهة قد تجاهلته تماماً وكذلك سفر أعمال الرسل ، ولا نحد أخباره إلا في الانجيل الرابع ، وهو التلميذ الذي أحبه يسوع.

التلميذ الذي أحبه يسوع :

     لكي نستوعب المسرح الذي تحرك فيه هذا التلميذ ، علينا أن نلقي نظرة على انجيل يوحنا ؛ فهذا الانجيل ظاهرة متميزة بين الأناجيل ، ويشكل بحق جنساً قائماً بذاته بين أسفار العهد الجديد. فالأناجيل الثلاثة الاولى تَتّبع نفس الخطوط العامة لسيرة يسوع وتعاليمه ، اما انجيل يوحنا فيمتلك رؤية خاصة به ، وبنية عامة وتحقيباً زمنياً خاصاً به ، ونسيجاً لاهوتياً، واسلوباً خاصا ً ومتميزا ً في أقوال يسوع . فالاناجيل المتشابهة تعيّن سنة واحدة لحياة يسوع التبشيرية قام في اخرها بزيارة واحدة لاورشليم ، بينما يعيّن انجيل يوحنا سنتين زار خلالهما اورشليم عدة مرات . ويُجمع الباحثون على أن انجيل يوحنا قد دُوّن بين عامي 100-110 م ( أي بعد نحو اربعين سنة من تدوين الانجيل الأول انجيل مرقس ) ، وباسلوب يوناني رفيع المستوى لا نجده في الأناجيل المتشابهة ، ينمّ عن تبحر كاتبه بالفلسفة اليونانية.

      التلميذ الحبيب معروف لدى العامة والخاصة من لوحة العشاء الاخير لليوناردو دافنشي ، وهي أشهر لوحات عصر النهضة الى جانب الموناليزا لوحته الاخرى ، وفيها نجد بطرس يهمس في أن التلميذ الحبيب أن يسأل يسوع عن اسم الرسول الذي قال أنه سيخونه ، وبحسب ما ورد في انجيل يوحنا : 13 ، فقد راح التلاميذ ينظرون بعضهم الى بعض وهم محتارون فيمن قال عنه . وكان متكئا على حضن يسوع ( = واضعاً مرفقه على ساق يسوع المطوية تحته ) التلميذ الذي أحبه يسوع ، فأوما اليه بطرس أن يسأل يسوع عمّن يكون ذلك التلميذ. فاتكأ على صدر يسوع وقال له : يا سيد ، من هو ؟ فأجاب : الذي أغمس اللقمة وأعطيه : فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الاسخريوطي ( يوحنا 13 : 21 – 26 ) .

   لقد مارس انجيل يوحنا تأثيراً كبيراً على بناء العقيدة المسيحية يعادل ما لبولس الرسول من تأثير ، وبما أنه منسوب الى مؤلف يدعى يوحنا ، فقد مالت الكنيسة المبكرة الى المطابقة بين هذا اليوحنا ويوحنا ابن زبدي صياد السمك الذي كان مع اخيه يعقوب من المقربين ليسوع في الأناجيل المتشابهة ، كما طابقت بين يوحنا ابن زبدي والتلميذ الذي أحبه يسوع في مشهد العشاء الأخير . ولكن المشكلة التي يواجهها أي قارئ حصيف لإنجيل يوحنا ، هو غياب أي إشارة في الانجيل يمكن أن توحي بالمطابقة بين يوحنا ابن زبدي والتلميذ الذي أحبه يسوع ، والمؤلف قد تجاهل تقريباً وجود يوحنا واخيه في حياة يسوع ، ولم يأت على ذكرهما إلا مرة واحدة عندما أشار اليهما جملة كأبني زبدي دون ذكر اسميهما  ( يوحنا 21 : 1 – 2 ) . يضاف الى ذلك أنه من المستبعد جداً إن لم يكن من المستحيل أن يكون ابن زبدي صياد السمك المتواضع وغير المتعلم هو كاتب انجيل يوحنا بأسلوبه الأدبي الراقي وطابعه الفلسفي ، وهو الذي وصف مع بطرس في سفر أعمال الرسل بأنهما  عاميان أو أُميان ولا علم عندهما ( أعمال 4 : 13 -15 ) .

     وسوف نبحث فيما يلي  عن التلميذ المجهول الذي دعاه مؤلف انجيل يوحنا بالتلميذ الذي أحبه يسوع في مشهد العشاء الأخير دون أن يفصح عن اسمه لنجد أنه قد أفصح بالفعل ولكن الباحثين في العهد الجديد أغمضوا أعينهم عما هو تحت أبصارهم بتأثير الأفكار المسبقة التي سيطرت على البحث ، وسوف نلاحظ منذ البداية أن مؤلف الانجيل لم يشأ لنا أن نفترض أن التلميذ الذي أحبه يسوع هو يوحنا ابن زبدي ، وأن كل ما أورده  بشأنه ينطبق على شخص مختلف تماماً .

يظهر التلميذ المجهول للمرة الأولى في قصة دعوة التلاميذ الخمس الأوائل ( الاصحاح الأول من انجيل يوحنا ) ، حيث كان يوحنا المعمدان يعمد بالماء لمغفرة الخطايا ومعه اثنان هما اندراوس واخر لم يفصح مؤلف الأنجيل عن اسمه واصله واكتفى بالقول ” وكان اندراوس واحداً من الأثنين ” . فنظر المعمدان فرأى يسوع ماشياً فقال : ” هو ذا حَمَلُ الله الذي يرفع خطية العالم ” ، فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع . بعد ذلك يلتحق بيسوع بطرس اخو اندراوس ، وفيليبُس ، ونثنائيل وهم الخمس الأوائل . ومما يدل على أن التلميذ المجهول هنا ليس يوحنا ابن زبدي ، هو أن يوحنا ابن زبدي واخيه يعقوب قد ورد ذكرهما بعد ذلك في قائمة الرسل دون ذكر اسميهما والاكتفاء بالاشارة اليهما على انهما ابنا زبدي .

    خلال زياراته الثلاثة لأورشليم كان يسوع يبيت في قرية بيت عنيا على جبل الزيتون المقابل لجبل الهيكل والقريبة من أورشليم ، في ضيافة شاب يدعى لعازر واختيه مرتا ومريم ، وكان بيتهم من السعة بحيث يتسع له وللاثني عشر، الأمر الذي يدل على ثراء هذه الاسرة وعلى مكانتها الاجتماعية ، بحيث كان لعازر يدخل على رئيس الكهنة دون وسيط على ما سنراه لاحقاً. وقد حفظت لنا الأناجيل المتشابهة ، التي لم تأت على ذكر لعازر ولا على صلته بيسوع ، أخبار علاقته بهذه القرية خلال زيارته الوحيدة لأورشليم عندما كان يُعلّم في الهيكل نهارا ثم يتوجه للمبيت في بيت عنيا مساءً ( راجع متّى 21 : 17 ). كما حفظ لنا انجيل لوقا أخبار الاختين مرتا ومريم وبيتهما حيث أضافا يسوع وأعدتا له مائدة ، لكن دون ذكر اخيهما لعازر ودون ذكر اسم القرية : ” وبينما هم سائرون دخل قرية فأضافته امرأة اسمها مرتا ولها اخت اسمها مريم جلست عند قدمي يسوع تستمع الى كلامه ، وكانت مرتا مشغولة بأمور كثيرة من الضيافة . فأقبلت وقالت: يارب ، اما تبالي أن اختي تركتني أخدم وحدي؟ فقل لها أن تعينني ” ( لوقا 10 : 38 – 42 ). وبعد جواب يسوع المقتضب تنتهي القصة.

   خلال اقامته الطويلة الأخيرة في أورشليم ، وفق رواية انجيل يوحنا ، نتعرف على التلميذ الذي أحبه يسوع باعتباره لعازر ، فهو التلميذ الوحيد الذي أكن له يسوع محبة خاصة. فعندما غادر يسوع أورشليم مع تلاميذه الى نهر الاردن أرسلت الاختان الى يسوع تقولان : ” ياسيد هوذا الذي تحبه مريض….وكان يسوع يحب مرتا واختها ولعازر ” ( يوحنا 11 : 1 – 6 ). نلاحظ في هذا المقطع أن المؤلف أكد مرتين على حب يسوع للعازر، فالأختان قالتا له :”  الذي تحبه مريض  ” وقال المؤلف:  ” كان يسوع يحب مرتا واختها ولعازر ” .

   وفيما يلي من هذه القصة لدينا اكثر من توكيد على المحبة التي جمعت بين الطرفين ؛ فبعد يومين عرف يسوع بحدسه أن لعازر قد مات ، فقال للتلاميذ : ” لعازر حبيبنا قد نام وأنا ذاهب لكي أُوقظه. وكان يسوع يقول عن موته وهم ظنّوا انه يقول عن رقاد النوم “. وعندما وصل يسوع الى أطراف بيت عنيا خرجت مرتا لاستقباله وقالت له  ” ياسيد ، لو كنت هنا لم يمت اخي ” . فبكى يسوع ، فقال المعزوّن : ”  انظروا كم كان يحبه ” . ثم سار  الى القبر وكان مغارة منحوتة في الصخر وعليها حجر ضخم يسد المدخل ، فقال لهم : ” ارفعوا الحجر “.  فقالت مرتا : ” ياسيد ، لقد أنتن لأن له أربعة أيام ” . فقال لها يسوع : ” إن آمنت ترين مجد الله “. فرفعوا الحجر ، فنادى يسوع بصوت عظيم : ” لعازر ، هلم خارجاً ” . فخرج الميت . فقال لهم يسوع : ” حلوه ودعوه يذهب ” ( يوحنا 11 ).

    قبل عيد الفصح اليهودي بستة أيام قصد يسوع بيت عنيا للمبيت ، وبينما مرتا تعد العشاء ولعازر متكئ الى جانب يسوع ، جاءت مريم بزجاجة من عطر الناردين الخالص غالي الثمن ، وركعت أمامه فسكبت العطر على قدميه وراحة تمسحهما بشعرها فامتلأ البيت من رائحة الطيب ، فقال واحد من التلاميذ وهو يهوذا الاسخريوطي الذي يزمع أن يسلمه : لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمئة دينار ويعطي للفقراء ؟ فقال يسوع : اتركوها ، فإنها ليوم التكفين قد حفظته ، الفقراء معكم في كل حين أما أنا فلست معكم في كل حين ( يوحنا 12 : 1 – 8)

   وقد احتفظت الأناجيل المتشابهة بذكرى مشوشة عن قصة زجاجة الناردين هذه. فعند مرقس تجري هذه القصة في بيت عنيا أيضا وفي زمن قريب من زمنها عند يوحنا ، ولكنه يغفل اسم المرأة ويطلعنا على اسم رب البيت الذي جرت فيه فيدعوه سمعان الأبرص ، ويبدو إن سمعان هذا كان رب أسرة الاخوة الثلاثة مرتا ومريم ولعازر، وكان عندها قد توفي ، لأننا لانجد في قصة مرقس له أي حضور، كما أن يوحنا أغفل ذكر اسمه . نقرأ عند مرقس : ” وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ ، جاءت امرأة معها قارورة طيب  ناردين خالص كثير الثمن ، فكسرت القارورة وسكبتها على رأسه . وكان قوم مغتاظين في أنفسهم فقالوا : كان يمكن أن يباع هذا بثلاثمئة دينار ويعطى للفقراء . أما يسوع فقال : ….( نفس الجواب عند يوحنا ) “( مرقس 14 : 1 – 9 ) . وقد أعاد متى رواية قصة مرقس دون تعديل  (متّى 26: 6 – 13 ).  أما لوقا فيجري على القصة تعديلات في الزمان والمكان والشخصيات . فقد جرت القصة في بداية حياة يسوع التبشيرية لا في أخرها ، ومسرحها في الجليل لا في أورشليم ، في بيت رجل فريسي من خصوم يسوع لا في بيت سمعان الأبرص ، والمرأة التي سكبت العطر على قدمي يسوع امرأة خاطئة (= مومس ) ، والذي اعترض على ما قامت به المرأة هو الفريسي صاحب البيت ( لوقا 7 : 37 – 50 ) . وقد شاع فيما بعد أن هذه الخاطئة هي مريم المجدلية دون سند من النص .

    بعد أن أفصح مؤلف انجيل يوحنا عن اسم التلميذ الذي أحبه يسوع وعرفنا أنه لعازر ، يعود  لاستخدام تعبير ” التلميذ الآخر ” الذي استعمله في قصة دعوة التلاميذ ، أو ” التلميذ الذي أحبه يسوع ” مثلما فعل في قصة العشاء الأخير ، ويبدو أن العشاء قد حصل في بيت في أورشليم يملكه الفتى الغني لعازر ، الذي أوكل اليه يسوع ترتيب هذا العشاء بسرية تامة لكي لا يعرف اليهود مكانه. ولعلّ مما يرجح ذلك هو جلوسه الى جانب يسوع في صدر المائدة مثلما يجلس المضيف عادة الى جانب ضيفه ، وهنا تفصح جلسة لعازر وهو يتكئ بمرفقه عل ساق يسوع المطوية تحته عن مدى قربه من معلمه وغياب الرسميات في العلاقة بينهما ، لذلك كان الأجرأ على طرح اسئلة لا يجرؤ الآخرين على طرحها ، وهذا ما حفز بطرس على أن يطلب منه سؤال يسوع عن هوية الخائن بعد أن قال لهم إن واحداً من الاثني عشر سوف يسلمه ؛ فقام التلميذ بحركة ثانية تدل على دفء العلاقة بينهما عندما اتكأ على صدر يسوع وهو يوجه السؤال اليه .

      ونحن أمام هذا المشهد علينا أن ننسى لوحات عصر النهضة التي تمثل يسوع والتلاميذ جالسين الى طاولة طعام طويلة عليها صحفات طعام وصحون افرادية ، ونتصور بدلا من ذلك جلسة على الارض حول غطاء مفروش، أو طبلية قليلة الارتفاع عليها صحفة طعام واحد أو اثنتين يغمس فيها الجلوس الطعام بقطع من الخبز . ولذلك قال يسوع عن الخائن : ” هو الذي يغمس يده في الصحفة معي “.

   عندما قبض حرس الهيكل على يسوع وهو عائد بعد العشاء الاخير الى بيت عنيا تفرق عنه التلاميذ وهربوا ، وسيق يسوع الى دار رئيس الكهنة من أجل الاستجواب ، فتبعه عن بعد بطرس ، ولعازر الذي يدعوه يوحنا هنا بالتلميذ الآخر . نقرأ في الاصحاح 38 : ” وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع ، وكان ذلك التلميذ معروفا لدى رئيس الكهنة فدخل مع يسوع الى دار رئيس الكهنة واما بطرس فقد كان واقفا عند الباب خارجاً ، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معروفاً عند رئيس الكهنة وكلم الجارية حارسة البوابة فأدخل بطرس ، فقالت الجارية لبطرس : ألست أنت من تلاميذ هذا الانسان (= يسوع ) ؟ فقال لها : لست أنا. وكان الخدام والعبيد واقفين وقد أضرموا جمراً لأنه كان برد ، وكانوا يصطلون وبطرس واقف معهم يصطلي “( يوحنا  18 : 12 – 18 ).

     يعطينا انجيل يوحنا هنا الدليل القاطع على أن التلميذ الآخر والتلميذ الذي أحبه يسوع هو لعازر ابن سمعان الأبرص ، لأنه الوحيد بين تلامذة يسوع الذي يمكن أن يقول عنه مؤلف الانجيل أنه كان معروفا من قبل رئيس الكهنة ويملك حق التوسط لمن يشاء من أجل الدخول الى بيته . ويبدو أن علاقة لعازر برئيس الكهنة لم تكن علاقة شخصية وإنما علاقة عائلية ورثها عن ابيه سمعان الأبرص الذي كان رئيس الكهنة يكن له مودة خاصة خلال حياته، ثم تابع بعد ذلك اهتمامه بأسرته بعد وفاته .

في مشهد الصلب سُمِحَ للتلميذ الحبيب مع ام يسوع وإمرآتان اخريتان هما مريم المجدلية ومريم زوجة كيلوبا بالوقوف تحت صليب يسوع : ” فلما رأى يسوع امه والى جانبها التلميذ الذي كان يحبه قال لأمه : يا امرأة هوذا ابنك ، ثم قال للتلميذ هوذا امك . فأخذها التلميذ الى بيته من تلك الساعة ” ( يوحنا 19 : 25 – 27) .هذا التلميذ الذي أخذ ام يسوع الى بيته لايمكن أن يكون إلا لعازر ، لأنه الوحيد بين التلاميذ الذي يملك بيتا في ضواحي أورشليم وربما بيتا آخر في المدينة نفسها .

     عندما طعن يسوع بحربة في جنبه وهو على الصليب فخرج منه دم وماء ( يوحنا 19 : 35) يقول صاحب الانجيل : ” يشهد بذلك الذي عاين وشهد ، وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا مثله ” . وفي  هذا القول دلالة على أن انجيل يوحنا كان نتاج شخصين لا شخص واحد، الاول هو التلميذ الحبيب الذي يروي ذكرياته عن يسوع وهو في سن متقدمة جداً ، فهو ” الذي عاين وشهد ويعلم أنه يقول الحق ” ، والثاني هو محرر الانجيل الذي يدوّن تلك الذكريات بأسلوبه الخاص ومن خلال خلفيته الثقافية ، وربما كان اسمه يوحنا ولكن بالتأكيد ليس الصياد ابن زبدي .

      ولدينا في المشهد الأخير لظهور يسوع بعد قيامته للتلاميذ عندما اكل معهم تأكيد آخر على مانقوله. فبعد أن انتهوا من الغداء قال يسوع لبطرس : يا سمعان بن يونا ، أتحبني ؟ قال : نعم يارب أنت تعلم أني أحبك. فقال له : إرع غنمي . الحق ،الحق أقول لك إنك وأنت شاب كنت تشد منطقتك بنفسك وتذهب الى حيث تشاء ، ولكنك إذا شُخت فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك و يذهب بك الى حيث لا تشاء . قال ذلك مشيراً الى الميتة التي سيموتها بطرس ( عندما سيصلب في روما ) . ثم قال له اتبعني . فالتفت بطرس ورأى التلميذ الذي كان يحبه يسوع يسير وراءه فقال ليسوع : وماذا عن هذا ؟ فقال له يسوع : إن شئت له أن يبقى حتى مجيئ الثاني فماذا يعنيك ، اتبعني أنت . فشاع بين الاخوة أن ذلك التلميذ لا يموت ولكن يسوع لم يقل ذلك . هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذه الأمور ويدونها ، ونحن نعلم أن شهادته حق ( 31 : 15 -24 ).

    وكما نلاحظ من تأمل الجملة الأخيرة ، فإن كاتب الانجيل يقول لنا مرة ثانية أن مايقدمه من معلومات هو شهادة التلميذ الذي أحبه يسوع ، ثم يشير الى نفسه بقوله : ونحن نعلم أن شهادته حق . وهذا التلميذ هو لعازر ولا يمكن بحال أن يكون يوحنا ابن زبدي مع الابقاء على الاحتمال المعقول في أن يكوم اسمه يوحنا أيضا ، لأن هذا الاسم كان شائعا حينها شيوع اسم حسن وعلي في يومنا هذا .